المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

الموضوع في 'سورة العلق' بواسطة المدير العام, بتاريخ ‏18 نوفمبر 2013.

  1. المدير العام

    المدير العام الإدارة طاقم الإدارة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    آيات الابتلاء:

    { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } * { أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } * { إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } * { أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ } * { عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } * { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ } * { أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ } * { أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } * { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } * { كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ } * { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } * { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } * { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } * { كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب }

    البيان العام:

    اختلف العلماء في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب الخمس الآيات الماضية لذِكر الصلاة فيها، وفيما روي في سبب نزولها من قول أبي جهل بناءً على أن الصلاة فُرضت ليلة الإِسراء وكانَ الإِسراء بعد البعثة بسنين. فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة من نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشا فيها خبر بدء الوحي ونزول القرآن ، جرياً على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بيِّن ، وجرياً على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة نزلت .

    ***

    لقد كان من مقتضيات الشطر الأول بعد حقيقة أن الله هو الذي خلق، وهو الذي علم، وهو الذي أكرم، أن يعرف الإنسان ربه ويشكره على نعمه الكبيرة، ولكن الذي حدث كان غير هذا، وهذا الانحراف هو الذي يتحدث عنه المقطع الثاني للسورة:

    ( كلا! إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى )
    إن الذي أعطاه فأغناه هو الله. كما أنه هو الذي خلقه وأكرمه وعلمه. ولكن الإنسان في عمومه ـ لا يستثنى إلا من يعصمه إيمانه ـ لا يشكر حين يُعطى فيستغني؛ ولا يعرف مصدر النعمة التي أغنته، وهو المصدر الذي أعطاه خلقه وأعطاه علمه.. ثم أعطاه رزقه.. ثم هو يطغى ويفجر، ويبغي ويتكبر، من حيث كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر.

    وحين تبرز صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى، يجيء التعقيب بالتهديد الملفوف: { إن إلى ربك الرجعى } فأين يذهب هذا الذي طغى واستغنى؟

    وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أخرى من قواعد التصور الإيماني. قاعدة الرجعة إلى الله. الرجعة إليه في كل شيء وفي كل أمر، وفي كل نية، وفي كل حركة. فليس هناك مرجع سواه. إليه يرجع الصالح والطالح. والطائع والعاصي. والمحق والمبطل. والخير والشّرير. والغني والفقير.. وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى. ألا إلى الله تصير الأمور.. ومنه النشأة وإليه المصير..

    وهكذا تجتمع في المقطعين أطراف التصور الإيماني.. الخلق والنشأة. والتكريم والتعليم.. ثم.. الرجعة والمآب لله وحده بلا شريك: { إن إلى ربك الرجعى }

    ثم يمضي المقطع الثالث في السورة القصيرة يعرض صورة من صور الطغيان: صورة مستنكرة يعجب منها، ويفظع وقوعها في أسلوب قرآني فريد.

    ( أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ أرأيت إن كذب وتولى؟ ألم يعلم بأن الله يرى.

    ذُكر أن هذه الآية وما بعدها نـزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال فيما بلغنا: لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأنّ رقبته؛ وكان فيما ذُكر قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي يَنْهاك أن تصلي عند المقام، وهو مُعرض عن الحقّ، مكذّب به. يُعجِّب جلّ ثناؤه نبيه والمؤمنين من جهل أبي جهل، وجراءته على ربه، في نهيه محمدا عن الصلاة لربه

    أرأيت ؟ أرأيت هذا الأمر المستنكر؟ أرأيته يقع؟ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى؟

    أرأيت حين تضم شناعة إلى شناعة؟ وتضاف بشاعة إلى بشاعة؟ أرأيت إن كان هذا الذي يصلي ويتعرض له من ينهاه عن صلاته.. إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ ثم ينهاه من ينهاه مع أنه على الهدى، آمر بالتقوى؟.

    أرأيت إن أضاف إلى الفعلة المستنكرة فعلة أخرى أشد نكراً؟ أرأيت إن كذب وتولى؟

    هنا يجيء التهديد الملفوف كما جاء في نهاية المقطع الماضي: { ألم يعلم بأن الله يرى؟ } يرى تكذيبه وتوليه. ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلى، وهو على الهدى، آمر بالتقوى.
    وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة وفي وجه الإيمان، وفي وجه الطاعة، يجيء التهديد الحاسم الرادع الأخير، مكشوفاً في هذه المرة لا ملفوفاً: كلا. لئن لم ينته لنسفعن بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية.

    إنه تهديد في إبانه. في اللفظ الشديد العنيف: كلا. لئن لم ينته لنسفعن بالناصية.

    هكذا لنسفعن بهذا اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه. والسفع: الأخذ بعنف. والناصية: الجبهة. أعلى مكان يرفعة الطاغية المتكبر. مقدم الرأس المتشامخ: إنها ناصية تستحق السفع والصرع: { ناصية كاذبة خاطئة }! وإنها للحظة سفع وصرع. فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه: { فليدع ناديه } أما نحن فإننا { سندع الزبانية } الشداد الغلاظ.. والمعركة إذن معروفة المصير!

    وفي ضوء هذا المصير المتخيل الرعيب.. تختم السورة بتوجيه المؤمن الطائع إلى الإصرار والثبات على إيمانه وطاعته..

    كلا. لا تطعه، واسجد، واقترب

    كلا! لا تطع هذا الطاغي الذي ينهى عن الصلاة والدعوة. واسجد لربك واقترب منه بالطاعة والعبادة. ودع هذا الطاغي. الناهي. دعه للزبانية!

    وبالرغم من أنه قد وردت بعض الروايات الصحيحة بأن السورة ـ عدا المقطع الأول منها ـ قد نزلت في أبي جهل إذ مر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي عند المقام، إلا أن دلالة السورة عامة في كل مؤمن طائع عابد داع إلى الله. وكل طاغ باغ ينهى عن الصلاة، ويتوعد على الطاعة، ويختال بالقوة.. والتوجيه الرباني الأخير كلا! لا تطعه واسجد واقترب..

    المصادر:
    تفسير في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب
    تفسير ابن عاشور – تفسير الطبري


    [​IMG]

     
  2. فارس

    فارس مشرف ساحة خواطر قرآنية

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    في هذه الايات داء و دواء ! اما الداء فهو داء الطغيان و لقد وصف الله جذوره النفسية اجمل وصف و هو الشعور الوهمي بالاستغناء ! و هو ما توحي بعد عبارة ( ان رءاه) اي انه مجرد وهم على مستوى النفس اي هو يرى نفسه كذلك، وإلا فان الحقيقية الصارخة هو انه عبد لله طوعا او كرها ! فالله قاهر فوق عباده، و لك ان تتامل هذه في نومك الذي لا تستطيع رده و جوعك الذي لا تقدر دفعه و هجوم الحزن عليك الذي لن تجد الى مقاومته سبيلا .... اما الدواء فاقتنه من صيدلية القران ( ان الى ربك الرجعى) انه احساس اخر يقاوم طغيان النفس وهو استشعار رمزية لقاء الله و الرجوع اليه ( وان الى ربك المنتهى) !
     
  3. فارس

    فارس مشرف ساحة خواطر قرآنية

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    كلا لا تطعه و أسجد و اقترب : رسالة ربانية لأهل العزائم ! اذا اقنعت بطريق الحق و آمنت به سبيلا الى ربك، فلا يثنينك عن هذا الطريق احد ! قد يأتي من يستخفك اي يحملك على الخفة و الطيش، فيقرع سمعك هدي القران ( ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) ! اكمل المشوار و استشعر عناية الله لك ( واصبر لحكم ربك فإنك باعيننا)! ما اجمل ان ترقبك عناية الله الخاصة ، تهديك و ترشدك و تفتح لك مسالك الخير ! أسجد واقترب ! انها اجمل لحظات القرب من الله ( اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ! السجود شوق و ذوق ! فيه يبلغ القلب أوج الاتصال بالله رغبا ورهبا، حبا وشوقا ! ما اسهله و ما اصعبه، لانه لا يوفق الى السجود الحق الا من هداهم الله ( اعني على نفسك بكثرة السجود)!
     
  4. Nassiba Errabti

    Nassiba Errabti عضو جديد

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    إن أصل الطغيان الذي هو من أشد الأدواء التي يمكن أن يصاب بها الإنسان هو الشعور بالاستغناء عن الله و معيته و عدم الافتقار إليه و اليقين بالإياب إليه..، فيصير الإنسان بركانا هائجا يفيض شرا في كل اتجاه.. يتعدى حدود الله التي حدها في كل مجالات الدين و الدنيا..
    و الإدراك لخطر الداء أول خطوات الوقاية منه و العلاج أيضا، و يكون ذلك بأن يتذكر المرء أن لا حول و لا قوة له إلا بالله.. و أنه راجع بعد حين إليه، حينما تقوم ساعته ثم يقوم بعدها بين يديه محاسَبا على كل فعل و قول..
    إن المؤمن يتذكر هذا في كل لحظة.. و عند كل حركة و سكنة.. و يذكر الله صباحا و مساءا بخلفية ذلك فيستغفر.. و يستشعر فقره إلى الله.
    و يكون المؤمن بذلك أيضا وقافا ! وقافا عند حدود الله.. ورعا.. لا يصر على معصية ! و لا يجاهر بها ! مخافة أن يلحق نفسَه شيء من بلاء الطغيان.. و العياذ بالله !
     
  5. فارس

    فارس مشرف ساحة خواطر قرآنية

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    ( أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) : التكذيب يولد التولي عن الحق بمعنى الادبار عنه بل ومحاربته و الصد عنه ، ( ينهى عبدا اذا صلى) لانه يريد ان يعوج الفرد ( ويبغونها عوجا) و يفسد المجتمع ( ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما)! انها نفسية المتبرم بالحق و أهله، فلا يأنف من انفاق الأموال ( ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) و لا بذل الجهد ( لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) بل ويجد لذلك لذة وحلاوة تأمل قول الله ( وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا)! فكما زين الايمان في قلوب الذين آمنوا زين لهم سوء اعمالهم، والاعجب قول الله ( ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله) انه انشراح و هذه قمة الاستدراج الالهي !
    اما المومن فليس من شيمته التولي، بل هو يصدق ويوقن فيولد ذلك في قلبه الإقبال ! كيف لا يقبل و هاذي الأنوار تتجلى من بعيد يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار !
     
  6. فارس

    فارس مشرف ساحة خواطر قرآنية

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    ( أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) : التكذيب يولد التولي عن الحق بمعنى الادبار عنه بل ومحاربته و الصد عنه ، ( ينهى عبدا اذا صلى) لانه يريد ان يعوج الفرد ( ويبغونها عوجا) و يفسد المجتمع ( ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما)! انها نفسية المتبرم بالحق و أهله، فلا يأنف من انفاق الأموال ( ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) و لا بذل الجهد ( لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) بل ويجد لذلك لذة وحلاوة تأمل قول الله ( وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا)! فكما زين الايمان في قلوب الذين آمنوا زين لهم سوء اعمالهم، والاعجب قول الله ( ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله) انه انشراح و هذه قمة الاستدراج الالهي !
    اما المومن فليس من شيمته التولي، بل هو يصدق ويوقن فيولد ذلك في قلبه الإقبال ! كيف لا يقبل و هاذي الأنوار تتجلى من بعيد يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار !
     
  7. أمين

    أمين مشرف

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } * { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } * { كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب }

    وكأن الأصل في التعامل مع من يحاربون الدعوة ليس المواجهة بقدر ما هو الانشغال بالعمل الصالح والتقرب إلى الله، وهو سبحانه سيتولى المؤمن ويجازي المعتدين -كيفما كانت قوتهم- بما يستحقون، وحديث الولاية يزكي ذلك (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته... الحديث)

    والحال في يومنا، أن الكثير من العاملين في صف الدعوة ينشغلون بالرد على المعتدين وتجد كل شغلهم هو المواجهة، والرد على فلان والسفيه الفلاني... بل منهم من أخذته الحماسة أو لم يصبر فأوقف دعوته لأنه اختار المواجهة فأغلقت الأبواب أمامه، وكان بإمكانه التعامل بحكمة في الموضوع بالعمل في صمت دون مواجهة والتقدم خطوة خطوة بفقه وإدراك للواقع وإكراهاته.

    ولهذا تجد للأسف هذه الفئة توظف جهودها في مسالك ليست بالأولوية ولا تناسب المرحلة، وفي الأخير لا تبرح مواقعها ولا تتقدم إلى الأمام.

    وبالمقابل تجد آخرين منشغلين بالبناء والعمل، لا يطيعون الظالمين لكنهم لا ينشغلون بهم، ينشغلون بطاعة الله وطلب ولايته، وبالرغم من كيد الكائدين تجدهم صابرين مرابطين لإيصال دينهم للأمة فيحققون انتصارات كبيرة للدعوة وللدين.

    حاجتنا إذن في هذا الزمان أكبر لمن يوصل مشروع "عبدا إذا صلى" للأمة ويصبر على ابتلاءات الطريق متوكلا على الله

    حاجتنا في هذا الزمان أكبر لمن لا يطيع المعتدين ويسجد ويقترب

    هذا هو الأصل في الحالة العامة الذي يجب أن نعض عليه بالنواجد، أما المواجهة فلها فقهها الخاص وظرفيتها الخاصة


     
  8. أمين

    أمين مشرف

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب

    كثير من الناس يسجدون لله، لكن قليل هم من يدركون درجة القرب ويعيشون حلاوتها، ما أحوجنا إلى سجود القلوب مع سجود الأبدان لنيل هذه الدرجة، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك

     
  9. رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    كلا لا تطعه واسجد واقترب"... واقترب فقط اقترب ولا يشغلنك العباد عن المعبود
    اقترب ولا تلتفت لأحد... اقترب
     
  10. رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    "كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى"
    _إنه جهل الإنسان بحقيقة نفسه، ولو تذكر من أنعم عليه بالإيجاد ثم الإمداد، ثم الإسعاد، لأعد العدة ليوم التناد. ولذلك فإن الجهل بالجبار، يورث الطغيان والاستكبار.
    "وأن إلى ربك الرجعى"
    _الارتباط بالآخرة، ارتباط يربط النفس عن الرذائل ويقيدها بقيود الفضائل.
    ذلك أنه يستحيل في حق من يوقن برجوعه إلى الله يوم القيامة أن يقدم على ما يقدم عليه أهل الالكفر والعصيان من التجبر والتكبر والطغيان.
    { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ } * { أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ }
    _إن من سار على الهدى، وَصَلَ ووَصَّلَ، ووَاصَلَ.
    وصل إلى الله، ووصَّل غيره إلى الله، وواصل الطريق إلى الله.
    "أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ "
    _إذا علمت أن الله يرى فاحذر أن يراك حيث يكره، وألا يراك حيث يحب.
    { كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ } * { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } * { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } * { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ }
    _نداء رحماني عبر الزمان والمكان متكرر، لكل طاغية متجبر، وعاص متكبر، أن ارتدع، وعن طغيانك فارجع.
    إنه فعلا نداء يتصف بصفة رحمته سبحانه التي وسعت كل شيء، أوليس هو سبحانه يمهل المتجبرين مهما بلغ تجبرهم وطغيانهم حتى يتوبوا، فإن هم تابوا فلهم مقعد صدق عند ملك مقتدر، وإن هم أعرضوا أخذهم أخذ عزيز مقتدر؟؟؟ بلى.
    "كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب "
    _الاشتغال بواجب الوقت، من الأولويات التي يجب على المسلم بذل الجهد لتحقيقها.
    ولقد أطاع الرسول الكريم ربه فيما أمره به من واجب وقته آنذاك، والمتمثل أساسا في: التربية بالآيات، ولزوم الصلوات والخلوات.
    ثم إن من فوائد المقطع ككل:
    _الابتلاء، تمحيص وتنقيح واصطفاء، لمن آمن برب الأرض والسماء.
    إنها حكمة الابتلاء، فطريق الدعوة والإصلاح ليس يستطيع الصبر والثبات فيها إلا الرجال من ذوي العزائم، ممن لا تلهيهم عن المقصد الشتائم، ولم يخشوا في الله لومة لائم، ولم يخافوا ممن هو للحق محارب مصادم، يتوكلون على الرحيم الرحمن، ويقاومون فتن الزمان، ويسيرون على هدي المصطفى العدنان، أولائك استحقوا من الله النصر والتأييد والجنان، والنجاة من النيران.
    _منهج أهل الباطل واحد، فهم عن الحق معرضون، له معاندون، وعلى أهله معتدون.
    فينبغي إذن الاستعانة عليهم بالصبر والاصطبار، والإرادة والإصرار، وملازمة الصلاة والاستغفار، ودعاء الواحد القهار، العزيز الجبار.
    _لتغيير باطل العوائد، ينبغي تحمل عظيم الشدائد، من المصائب والمكائد.
    التغيير أيها الأحبة هو أشد الأمور على الناس، أن تغير من طباعهم، وتدعوهم إلى غير ما اعتادوا عليه، فإن ذلك مدعاة لتهجمهم عليك، وأذيتهم لك، وذلك يقتضي منك الصبر والتحمل. وبالحلم التجمل.
     
  11. Nassiba Errabti

    Nassiba Errabti عضو جديد

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    أثرتم يا أخ أمين نقطة مهمة في معرض الحديث عن رسالة "كلا لا تطعه" و مسألة انشغال العاملين في صف الدعوة بالرد على المعتدين و المواجهة لطروحاتهم.. و إنه لأمر محزن أن يبذل الجهد العظيم.. و الوقت الكثير.. و الإمكانيات الهائلة.. في ردود الأفعال الدعوية في زماننا و ليس في الأفعال الدعوية..
    و قد شاهدنا مثل هذا الأمر مرارا، كالاستنفار الذي حدث إبان الرسومات المسيئة للرسول الأكرم عليه الصلاة و السلام و غيرها.. و هو شيء جميل.. أن يغار المسلمون على محبوبهم سيدنا محمد و يدافعون عليه و يعرفون به.. لكن الأجمل و المطلوب: هو عدم الاكتراث بالمغرضين و المعتدين (كلا لا تطعه) و الاستمرار في فعل الدعوة في الرخاء، و التعريف بهذا الدين الجليل، و بالنبي الأكرم صلى الله عليه و سلم..
     
  12. Nassiba Errabti

    Nassiba Errabti عضو جديد

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    إن الله يتولى الدفاع عن عبده الذي تتوفر فيه الشروط الآتية:
    ـ إذا صلى: فالصلاة اتصال متين بالله.. و تطبيق للعلم به.. و خشيته و الخضوع له وحده لا شريك له.
    ـ إذا كان على الهدى: مستقيما على أمر الله في كل شؤون دينه و دنياه.
    ـ أمر بالتقوى: إذا كان داعيا إلى الصلاح و التقوى..
    فمتى كان العبد ممن يتمثل ذلك، كان في عهدة الله عز و جل.
    قال تعالى: " الله ولي الذين آمنوا.." البقرة
    عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:
    "يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" رواه الترمذي
     
  13. Nassiba Errabti

    Nassiba Errabti عضو جديد

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    فضح الله الطاغية في كتابه العزيز (أبو جهل) دون ذكر اسمه.. لأن أفعاله تكررت في أزمنة و أمكنة مختلفة، بشن طغيانه على عبد صالح يقوم بعبادته لله.. دون مبرر و دون ذنب اقترفه هذا الأخير. و لعل آخر مثال شاهدناه بأم العين ما جرى من تقتيل للمصلين في ساحة الحرس الجمهوري بمصر و هم ركع سجود في صلاة الفجر..
    و دفاع الله عن عبده في الآيات، جاء بشكل يورث الرعب و الزلزلة لدى الطاغية.. و يطمئن في ذات الوقت العبد الصالح.. "كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية" خطاب عالي اللهجة.. و تهديد بالعذاب القاسي: سفع و هو ضرب بالنار، على الناصية التي هي رمز جبروت الطاغية.. و مكان طاهر يسجد به المؤمن لربه أيضا.. جزاء من جنس الجرم..
    إن الخطاب الذي يتحدث به الله عز و جل عن حادث الطغيان هذا يتسم بالتدرج، حيث بدأ بتبيان هذه الظاهرة و سببها (أن رآه استغنى) ثم مر للوعظ (إن إلى ربك الرجعى) فالحجاج الذي يبعث على مساءلة الذات (أرايت إن كان على الهدى... ألم يعلم بأن الله يرى) و في الأخير يأتي الزجر و الترهيب (كلا لإن لم ينته لنسفعن بالناصية...) و ترك خطا للرجعة في هذا الأسلوب الأخير بورود الشرط "لأن لم ينته". و إننا في حاجة ماسة إلى الاقتداء بهذا المنهج الرباني في مواجهة مثل هذه الظاهرة المؤسفة..
    و علينا كذلك أن نتمثل أمر الله لعبده في مواجهة الطغيان: بعدم مطاوعته، و الاستمرار في السجود لله و الاقتراب منه... فذلك ما يثبت العبد و يصبره و يبدد مخاوفه و يجعله في عهدة الله و معيته.. متيقنا من قرب الفرج و ربح قضيته الإيمانية و الدعوية..
     
  14. رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    "اسجد واقترب"، والسجود إنما يكون بوضع الناصية على الأرض.
    "كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ"
    ..لقد ذكر في التفسير أن المراد بقوله تعالى: "كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ" هو الإذلال
    فانظروا رحمكم الله كيف أن الناصية في قوله تعالى: "كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ"، وفي قوله تعالى: "اسجد واقترب"، هي ناصية واحدة، ولكن كل من بني البشر يستعملها في أمر يختلف مآله، فالناصية التي تطيع الله وتسجد له يرفعها ربها وذلك قوله: "واقترب"، والناصية التي تعصي ربها يذلها ربها ، وذلك قوله تعالى: "لنسفعا بالناصية"، والفائدة هي:
    _الكبر والطغيان، يورث المذلة والهوان، والطاعة والإيمان، يورث القرب من الرحيم الرحمن.
     
  15. فارس

    فارس مشرف ساحة خواطر قرآنية

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    اذكر انه لما توفي العلامة شهيد المحراب البوطي رحمه الله، تأثرت بالحدث لمكانة هذا الرجل في قلبي، و لا شان لي بموقفه السياسي الذي له تقديره و يمكن ان يدرج ضمن اجتهاد، وستبدي الايام من أخطا التقدير ومن اصاب. المهم، رايت فيديو للدمار الذي خلفه الانفجار في المسجد و بعض الاشلاء مع نظارتي الشيخ و أوراقه ... وفجأة أظهرت الكاميرا مصحفا ملطخا بالدماء ملقى على الارض في ثوان.. فالهمني الله حينها ان انظر الى هذا المصحف، فاعتمدت على تقنيات التكبير لأفحص الايات، فاذا بي اجد عجبا : قطرات دم على آيات مخصوصة دون غيرها من الايات وهي ( أرأيت الذي ينهى عبدا اذا صلى أرأيت ان كان على الهدى او امر بالتقوى) ! فكان الاية وقعت كالصاعقة، فلم اجد جوابا لمن جاوز الحد فسب وشتم الا ان أقول ( أرأيت ان كان على الهدى ) اي افترض ولو افتراضا بعيدا انه يمكن ان يكون صائبا في اختياره و تقديره !
     
  16. المدير العام

    المدير العام الإدارة طاقم الإدارة

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق


    نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق

    لفضيلة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي


    الجزء الثالث

    ثالثا:
    الطغيان أبرز أدواء الإنسان، وفي توهم الشعور بالاستغناء سر الداء، وفي الاستيقان بالرجوع إلى ربنا سر الدواء:

    وذلك مما يستلزم:

    -ملازمة الشعور بالافتقار إلى الله تعالى.

    -ملازمة ذكر الموت والآخرة والرجوع إلى الله تعالى.

    -ملازمة الوقوف عند حدود الله تعالى وعدم التعدي.

    المقطع الموالي من قوله تعالى " كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" إلى قوله تعالى " إن إلى ربك الرجعى" يستفاد منه حقيقة أن الطغيان أبرز أدواء الإنسان، وأن توهم الشعور بالاستغناء هو سر الداء، وأن الاستيقان بالرجوع إلى ربنا هو سر الدواء.

    هذه الآيات فيها ذكر المرض، وفيها سبب المرض، وفيها الدواء لهذا المرض، مع أنها آيات صغيرة " كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى" ومع ذلك تضمنت هذه المعاني الكبيرة.

    " كلا إن الانسان ليطغى" الداء الخطير الذي إذا أصاب فردا أو جماعة سبب البلاء العظيم، ومنه يأتي كل بلاء، إنه الطغيان، فما هو الطغيان؟ الطغيان بصفة عامة هو تجاوز الحد، والله تعالى ضبط الأمور، وحد الحدود ثم قال " تلك حدود الله فلا تعتدوها" البقرة/227 وقال أيضا " فلا تقربوها" البقرة/186 هناك أمور منظمة: لكل جزء فينا حدود، للسمع حدود، للنظر حدود، للكلام حدود، للبطن حدود، إلى غير ذلك.

    الحدود حدها الله في كل مجال، فمن تجاوز الحد فقد طغى، أي تجاوز هو طغيان، الإنسان بصفة عامة هوايته الطغيان، أي تجاوز الحدود بالنسبة للآخرين بالدرجة الأولى، وبالنسبة للنفس.

    هذا الداء سببه توهم الاستغناء " أن رآه استغنى " هل الإنسان يستغني؟ مستحيل، لا يوجد المستغني، الكل مفتقر بشكل من الأشكال، من لديه شيء ليس لديه شيء آخر. ولكن الاستغناء هنا هو الشعور بالاستغناء عن الله، فهو مستقل بنفسه، فالذي " قال أنا ربكم الأعلى " النازعات/24 كان يحتاج إلى الله، ولكنه في نظر نفسه لا يحتاج إلى الله جل جلاله ف" أن رآه استغنى" معناها تخيل الاستغناء، فالقرآن في غاية الدقة، بمعنى أن الاستغناء مستحيل، لا أحد يستطيع الاستغناء، إذن ما الذي يبقى؟ يبقى توهم الاستغناء، لأن الإنسان يرى نفسه أنه قد استغنى، هذا التوهم هو سر البلاء، أما سر الشفاء فهو هذا الدواء " إن إلى ربك الرجعى" إذا تذكر بأنه عائد إلى ربه حقيقة حصل له اليقين بالضعف الذي يمكن أن يوقظ الضمير الميت.

    هذا الكلام يساوي حقيقته الأخروية والدنيوية، حين تقول " إن إلى ربك الرجعى" فإن إلى ربك الرجعى، ويجب أن تصير في القلب إلى الحد الذي يحدث لك الزلزال في كيانك، لأنه إذا حدث هذا اليقين قطعا يتم التوقف عن الطغيان.

    هذا العلم اليقيني هو الذي يحدث السلوك الحقيقي، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" معناه لا يكون في تلك اللحظة لديه الحضور اليقيني للمعلومة أن الله سيأخذه، وأن هذا سيؤدي به إلى عذاب عظيم لا يخطر له على بال، إذا كان الإنسان لا يطيق أن يضع أصبعه على شمعة موقدة فكيف يطيق جهنم، وكيف يطيق الخلود فيها، وكيف يطيق الاحتراق الدائم؟ "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب" النساء/55 المشكلة أننا نتعامل مع الألفاظ تعاملا عاديا باردا، لا ينتج ثمارا ولا انتهاء عن الطغيان.

    فهذه النقطة: أن الطغيان هو أبرز أدواء الإنسان هي التي وضعت الآن في البؤرة باعتبارها سر الأدواء التي تهلك النفس، وتهلك الأسر والمجتمعات، والمطلوب " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا" هود/112 لكي لا يكون طغيان أبدا "ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى" طه/79 ولا تطغوا، هذه نقطة مركزية " إن الإنسان ليطغى" ومتى يحدث ذلك " أن رآه استغنى'' بشكل من الأشكال، والاستغناء عن الله أخطر الاستغناءات، ورأس البلاءات، وهو يحدث للكفار الخلص الذين شرحت صدورهم للكفر، ويتبع الكفار من استغنى بسبب جاهه، أو ماله، أو علمه، أو أي شيء، يتوهم أنه غير محتاج للآخرين، وليتخلص من ذلك حقا عليه أن يعلم علما يقينيا أنه محاسب ومؤاخذ.

    ومما تستلزم هذه الحقيقة ثلاثة أمور:

    1-ملازمة الشعور بالافتقار إلى الله تعالى مع التبرؤ من كل حول وقوة " فلا حول ولا قوة إلا بالله" هذه كلمة جامعة مانعة في بابها، مع مصاحبة الاستئذان الدائم من الله تعالى، فإذا لم يأذن لك بالكلام فلا تتكلم، وإذا لم يأذن لك بالنظر فلا تنظر، وإذا لم يأذن لك بالسير فلا، وإذا لم يأذن لك بالتفكير فيما لا يرضاه فلا تفكر فيه.

    فملازمة الشعور بالافتقار لله عز وجل هي عين الهدى المنهاجي العاصم من الطغيان.

    2-ملازمة ذكر الموت والآخرة وذكر الرجوع إلى الله تعالى " إن إلى ربك الرجعى" يجب أن نتذكر ذلك باستمرار لأنك في كل لحظة قد تنتقل، إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، هذا الشعور يجب أن يكون، ليكون المؤمن مستعدا للقاء ربه في أي وقت.

    فملازمة الذكر للآخرة، والرجوع لله تعالى ضروري أيضا في ضبط نبض القلب البشري الإيماني، كالأمر الأول الذي هو الشعور بالافتقار.

    3-ومن مستلزمات ذكر الرجوع لله الوقوف عند حدود الله تعالى وعدم التعدي، هذه نقطة في غاية الأهمية، فلكل شيء حد يجب عدم تخطيه وتجاوزه.

    يتبع إن شاء الله



     
  17. المدير العام

    المدير العام الإدارة طاقم الإدارة

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق


    رابعا: الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استجمع ثلاثة شروط: إذا صلى، وكان على الهدى، وأمر بالتقوى:
    أي إذا كان موصولا به في قلبه، سائرا على هداه في حياته، داعيا غيره إلى تقوى ربه.

    " أرايت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرايت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، أرايت إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى" الله تعالى يتولى الدفاع بنفسه عن عبده إذا استوفى ثلاثة شروط:

    1-إذا صلى صلاة حقيقية نطمح إليها، صلاة فيها ارتباط بالله تعالى، يناجي فيها ربه، يغيب عن الكون من حوله، يقع له الاتصال المباشر كأنه يتكلم مع الله محققا قول الله تعالى " وأقم الصلاة لذكري" طه/13 فإذا كان أول العلم العلم بالله تعالى، فإن الصلاة أول تطبيق لهذا العلم، علم الخشية من الله، علم التضرع لله، علم الاعتماد على الله تعالى وحده، إنه العلم الذي به تحول العرب، وبه حولوا العالم، به تعلموا كيف يركعون ويسجدون لله وحده، ولا يلتفتون إلى غيره أبدا، به حولوا التاريخ، وحولوا الناس من الخضوع لغير الله إلى الخضوع لله تعالى وحده.

    إن علم الخشوع والاستكانة لله تعالى في الصلاة أشرف العلوم على الإطلاق، ولذلك كانت عمود الدين، فإذا سقط العمود سقطت الخيمة، وإذا انهار العمود انهار البناء، فمن الصلاة بدأ المسلمون الأول تعبيد الطريق للتمكين، ومنها ينبغي أن يبدأ الطريق من جديد، ولهذا نحن نحتاج أن نصلي من جديد. نعم نحتاج إلى أن نصلي لأننا لم نصل، فنحن مثل ذلك الصحابي الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم " صل فإنك لم تصل" ولأهمية الصلاة نرى في السورة أن الله تعالى جعلها الصفة الحقيقية للعبدية الحقيقية المتمثلة في هيأة الصلاة الخاشعة " أرايت الذي ينهى عبدا إذا صلى".

    2-الشرط الثاني: أن يكون مستقيما على أمر الله تعالى في كل شؤون الحياة " أرايت إن كان على الهدى".

    3-الشرط الثالث: أن يكون داعيا غيره إلى الصلاح، ليس مصلحا لنفسه فقط، وليس محولا لنفسه فقط، ولكنه عبد أصلح نفسه ودعا غيره إلى الصلاح، فهو صالح مصلح، ومهتد وهاد، ومصل وآمر غيره بالصلاة " أو أمر بالتقوى" حين يكون العبد مصليا مستقيما على الهدى، داعيا غيره إلى الهدى والصلاح، يتولاه الله تعالى ويرعاه، ويحميه ويدافع عنه سبحانه بنفسه.

    فهذا هدى منهاجي واضح.

    خامسا: دفاع الله تعالى عن عبده يكون بأمور:

    الهدى الذي يليه نأخذه من هذه الآيات " أرايت إن كان على الهدى أو امر بالتقوى أرايت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانيه" وذلك يكون ب:

    1-فضح لطغيان الطاغي، بدون ذكر اسمه، لأن القرآن صاغه الله تعالى بصورة نموذجية لا يحدها زمان ولا مكان، حيث هجم هذا الطاغي على عبد صالح بدون مبرر أو ذنب اقترفه العبد الصالح.

    2-بيان اتصاف عبده بكل ما يقتضي الإحسان إليه بدل الإساءة إليه.

    3-تخويف الطاغي عليه برؤية الله تعالى لامحالة:
    في الآيات تعجيب من شناعة فعل الطاغية الذي هجم على العبد الصالح حين تلبسه بفعل الصلاة، الذي هو أشرف فعل، وأزكى فعل، فبدل الإحسان إليه وإكرامه يسيء الطاغية إليه.
    إنه دفاع يورث الرعب والزلزلة في كيان كل طاغية كافر، ويورث الاطمئنان في نفس كل عبد صالح، هذه مرحلة.
    المرحلة الثانية: أن هذا الطاغية إن تمادى ولم يتب ولم يرتدع، تأتي مرحلة أخرى فيها ثلاث مراحل:

    1-التهديد بالأخذ المباشر " كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية" والسفع في اللغة العربية هو الضرب بالنار حتى يحدث سوادا يكون من النار أو من حدة حرارة الشمس " لنسفعن بالناصية" لأن تلك الناصية هي مكمن التكبر في الطاغية، وهي في الأصل ينبغي أن تكون مكمن الخضوع والسجود والطاعة.

    2-ثم بعد ذلك الهجوم على الطاغية بالقول المباشر " ناصية كاذبة خاطئة" هذا سب وقذف وهجوم مباشر.

    3-وأخيرا التحدي " فليدع ناديه" فليدع جماعته وأتباعه، فإذا فعل فإن الله سيأخذه أخذا مباشرا، والأخذ المباشر سيكون على أشكال متعددة لايعلمها إلا الله تعالى، ولكن المذكور في هذه الآيات شكلان كبيران هما:

    أ-السفع بالناصية، وسفعها تلويحها بالنار، وإحراقها بالنار، وتسويدها بالنار، مقابل علوها وتكبرها عن الخضوع لله، ومقابل تهديدها للناصية العابدة الساجدة، ناصية العبد الصالح، ومقابل توهمها الاستغناء عن الله بشيء قليل من المال والصحة والأولاد والأتباع.

    فالناصية التي يجتمع فيها كل تلك الاستغناءات المتوهمة هي ناصية كاذبة خاطئة.

    ب-دعوة الزبانية خزنة جهنم للإسراع بالطاغية إلى مصيره ومستقره، وبيس المصير والمستقر.

    وإذا ائتسينا بفعل الله تعالى يجب أن يتدخل الإعلام لصالح أهل الإيمان، فيظهر أن ما هم عليه هو خير ما يكون عليه بشر، وأن ما يفعل بهم هو أسوأ ما يمكن أن يفعل ببشر مستقيم على الهدى.

    ثم يقع الوعظ والتذكير بالله تعالى، ثم التخويف من عذابه.



     
  18. medibasm

    medibasm عضو جديد

    رد: المجلس الثالث من تدارس سورة العلق

    اللهم ارزقنا حبك وقربك وطهر قلوبنا من عوائق التزكية فأنت خير من تزكي الأنفس التائهة
     

مشاركة هذه الصفحة