بسم الله الرحمن الرحيم سورة العلق (مكية، آياتها 19) آيات الابتلاء: البيان العام هذه السورة هي إعلان بداية نزول الوحي على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه و سلم بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ــــ وهو التعبد ــــ الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الوحي وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما أنا بقارىء ــــ قال ــــ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } - حتى بلغ - { مَا لَمْ يَعْلَمْ }. هذه حادثة عظيمة.. و نعمة بليغة.. و إنها لكلمات رحمة واسعة، و يسر و فرج و تزكية.. تتنزل منذ لحظة الاتصال الأولى بالملإ الأعلى.. فبعدما كان محمد صلى الله عليه و سلم يختلي عابدا لخالقه باحثا عن سره، تأتيه الرسالة على لسان جبريل عليه السلام أن "اقرأ" ثم "اقرأ" ثم "اقرأ".. ابتلاء عظيم لمأمور بالقراءة ما قرأ من قبل.. يتلقى صدمة نفسية و جسدية عسيرة ما تعرض لها آنفا.. فيجيب خائفا: ما أنا بقارئ (أنا أمي).. ثم يأتيه الفرج و الرحمة الإلهية جوابا شافيا.. "إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق"، و في "ربك" مخاطبة لطيفة ناجعة لامتصاص الفزع، فالذي رباك على عينيه مذ كنت علقة، ها هو ينسبك إليه فهو خالقك.. حاشا أن يتركك تائها جاهلا به.. بل سيعرفك بنفسه.. و سيعلمك القراءة باسمه و تلاوة قرآنه.. و لو لم تكن قارئا من قبل.. و في الآيات دعوة للقراءة باسم الله، استفتاحا باسمه و بتوفيق منه و لأجله وحده.. فهو الرب المتفرد بشأن الخلق و البدأ من العدم أو من مادة هو خالقها.. هو الذي خلق الإنسان فأحسن له الخلقة و أتم له الصورة و رزقه القوة، بعدما كان ابتداءا "علقا"، والعلق: اسم جمع عَلَقَة وهي قطعةٌ قَدرُ الأنملة من الدم الغليظ الجامد الباقي رطْباً لم يجفّ، و العلقة خليط نطفة الذكر ونطفة المرأة بعد مضي مدة كافيَة عليه يعلق بجدار الرحم ليبدأ في أطوار التكوّن. "إقرأ و ربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم" كرم و تشريف متناهيين من رب شديد الإحسان واسع الجود.. للإنسان هذا المخلوق الذي اختصه بالعقل و العلم "و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة.." (البقرة 31) فعلا قدره و ارتفع شأنه بين الكائنات غير العاقلة منها و الجاهلة بالعلم..، و العلم كما تحدث عنه ابن كثير في تفسيره: " تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان؛ ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: { ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة" ، و القلم كأداة مستخدمة لنيل العلم و للكتابة، "إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم" (سورة آل عمران 44)، " و القلم و ما يسطرون" (سورة القلم 2) لهو من أكثر الأدوات أثراً في حياة الإنسان.. و قيمة في الوجود كله، حيث بواسطته يكون توثيق المعرفة وتثبيتها على الوجه الدقيق الذي يورثها لجيل بعد جيل فيحصل تراكم التعليم و تطوره بتوفيق من الله المعلم بالقلم.. فأي نعمة جليلة هذه !؟ بل أي نعم و أية حقائق يَفتــَــتِح بهما الوحي للرسول عليه الصلاة و السلام أسرارا عظيمة من أسرار الربوبية: حقيقة الخلق من العدم و التربية من مرحلة العلقة إلى المخلوق الكامل الجميل، و حقيقة التعليم بعد الجهل، و تنوير الإنسان بعدما كان يعيث في الظلام.. فما أعظمها من نعم تستوجب حمدا وخضوعا..
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة العلق بأي كلمات و بأي روح نتحدث عن لحظة سطوع النور على الأمة ، كيف نتكلم و هو بين أيدينا لكنا عنه غافلون أو مقصرون ؟! كيف و ها الناس لا تكاد تبصر فيهم من نجى من هول الآية الكريمة : [ و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ] فأي ضلال و أي تيه !! فيا صاحبي - و نفسي أولا - إننا تائهون .. فتعال نستمع لما يوحى لعلنا نرتوي أو نجد من أمرنا رشدا . ------------------------- القرآن كتاب هداية [ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم و يبشر المومنين ] الهداية أسمى مطلب ، لذلك كان طلب الهداية أفرض سؤال علينا : [ٍ اهدنا الصراط المستقيم ] فجاءت أول الكلمات ترسم المنهج القويم و تعلمنا كيف الخلاص من غياهب المهلكات .. لكن قبل أن نعرف الدواء ، لابد من معرفة الداء .. فتش في قلبك ، فإنك واجد لا محالة - ما كنت صادقا - من الأمراض ما يهولك !! لكن جماعها - كما قال ابن القيم رحمه الله - يدور حول أصلين عظيمين : فساد العلم و فساد القصد . و اقرآ أواخر سورة الفاتحة لتجد الأمر واضحا على أكمل ما يكون البيان . أما و قد عرفنا الداء ، فلنتعرض لنسيم كتاب الهداية و الصلاح ، فبقدر التعرض لأنواره تشفى و بقدر مجالسته تترقى ، و إليك إكسير الحياة كما عرضه القرآن في كلمات موجزة - كما هي عادة الخطاب الرباني - تحمل من الدلالة و العمق ما تخر له الجبال ! فساد العلم ، الخلاص منه : [ اقرأ ] فساد القصد ، تصححه ب : [ باسم ربك الذي خلق ]
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة العلق نظرات في الهدى المنهاجي في سورة العلق لفضيلة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي ... من الأمور التي يمكن استفادتها من هذه السورة ما يلي: أولا: أول الطريق القراءة باسم ربنا، فبلا قراءة لاعلم، وبغير اسم ربنا لاقدرة ولا انتفاع أي الإبصار بعين الوحي وميزانه: وذلك مما يستلزم: -أن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الاستراتيجي والطريق المعبد للإمامة الحضارية. -أن الإصلاح يبدأ من الأفكار قبل الأعمال، ومن الباطن قبل الظاهر، ومن الأصل قبل الفرع، ومن الفرد قبل الجماعة.. -أن التبرؤ من الحول والتوكل على الله الذي ليس إلا منه الحول وهو رأس الحول. ويستفاد هذا الأمر من مطلع السورة الذي هو أول ما نزل من كتاب الله عز وجل. فأول الطريق ليكون الإنسان مسلما مؤمنا، صالحا مصلحا،هو القراءة باسم الله، باسم ربنا، أي الإبصار بعين الوحي وميزانه. فبلا قراءة لا علم، وبغير اسم ربنا لا قدرة ولا انتفاع. ومعنى هذا الكلام أني إذا أردت أنا الفرد أن أكون مؤمنا حقا من أين أبدأ؟ هل أبدأ بأن ألبس جلبابا أو أضع حزاما أو عمامة أو أي شيء آخر. لا. البدء أولا يكون بالعلم، بالعلم الشرعي، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. ولكن الآن ونحن في هذه النقطة بالذات، نقطة من أين بدأ الله عز وجل بعبده محمد صلى الله عليه وسلم الذي أراد منه أن يكون معلم البشرية كلها، لقد أراد منه ألا يعلم حتى يتعلم هو، وحتى يعمل بما يعلم، أي حتى يتحقق مما يعلم، ويتخلق بما يعلم. فمن أين يكون البدء إذن؟ البدء من العلم، هذا أول الطريق للفرد رجلا كان أو امرأة، يجب أن يبدأ التحول فيه بالعلم، أي يجب أن يبدأ بتحويل نفسه انطلاقا من العلم، والعلم المطلوب علم الوحي. هذه هي النقطة التي منها البدء. ينبغي ألا نتجه أي وجهة أخرى، ينبغي ألا نعكس الأولويات، أو أن نأتي إلى بعض التفاصيل أو إلى بعض الأعمال فنقدمها على العلم الصحيح. والعلم الخالص الصافي هو علم الوحي، الذي يجب أن نرتوي منه إلى أقصى ما نستطيع، إنه هو الأول قبل كل شيء. هذه نقطة مركزية أساسية في السير، اختارها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، واختارها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذكورا وإناثا، واختارها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأبنائهم وأحفادهم، واختارتها الأمة على مر التاريخ، فلا ينبغي أن يطرأ على هذه الحقيقة أي اختلال، سواء بالنسبة للسير الفردي أو للسير الجماعي، لأن الخطاب القرآني وإن كان متجها إلى فرد واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمقصود به أيضا الجماعة والأمة والدولة. ومن مستلزمات هذه النقطة الأولى التي هي أولى الأولويات في حياة الفرد والجماعة والأمة والدولة الإسلامية: 1-أن التفوق في العلم هو الخيار الاستراتيجي ليعود المسلمون إلى التاريخ، وتعود الأمة سائدة قائدة رائدة، أي عندما تريد أن تكون حيث وضعها الله تعالى في الموقع الطبيعي لها الذي هو الشهادة على الناس، وذلك إنما يكون بالعلم. إن التفوق في العلم بلغة اليوم هو الخيار الاستراتيجي، والطريق المعبد للإمامة الحضارية. ومعنى هذا أن أكبر حظ في ميزانية الدولة ينبغي أن يتجه إلى العلم، وإلى تكوين الأطر العلمية، فإن ذلك ينبغي أن يقدم على ما سواه في الأمة الإسلامية، كما أن البحث العلمي ينبغي أن تكون له الميزانية الضخمة التي لا تعادلها ميزانية أخرى لأن العلم له الريادة. فالعلم هو الذي يشق الطريق في الصخر، والعلم هو الذي يتم به الابتكار، هو الذي به يتم تعبيد الطريق تجاه التفوق، تجاه الإمامة الحضارية، إذ لا يمكن لأمة أن تنطلق تجاه المسار الصحيح الذي يؤهلها لأن تدرك ما سواها وتتفوق عليه، بدون علم. لهذا كان الانطلاق من العلم هو الخيار الاستراتيجي. هذا الخيار لن تندم الأمة إذا دفعت فيه أقصى ما تستطيع، لأنه الشيء الذي ينبني عليه ما سواه، وهو لا ينبني على سواه. -النقطة الثانية: من مستلزمات الانطلاق من العلم أن الإصلاح يبتدئ من الفكر وليس من السلوك. السلوك تابع لما في القلب، لما في العقل، سمه ما شئت، المهم البدء من الداخل الذي يسميه بعضهم التصور، ويسميه بعضهم بالعقيدة أو ما شاء أن يسميه. المهم تلك الأمور التي تكون في الداخل، نوع الأفكار التي عندك في الداخل هي التي ينبغي أن يطرأ عليها التصحيح أولا، لأن السلوك ينبني على ما هنالك من فكر. فالفكر الأعوج يعطي السلوك الأعوج، والفكر الصحيح يعطي السلوك الصحيح، والتصور الصحيح ينتج عنه السلوك الصحيح، ولذلك فالعمل تابع للعلم ولا عكس، ولذلك أقول: الباطن مقدم على الظاهر، وهذا واضح في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" لأن "اقرأ" لا تخاطب الأنف، أو الأذن، أو الرجل، ولكنها تخاطب القلب البشري الذي تحدث فيه التحول، تخاطب باطن الإنسان، على حسب ما يقع في هذا الباطن من تحول من الفساد إلى الصلاح، من المرض إلى الصحة، يكون التحول بعد في السلوك. وعلى حسب الرسوخ الذي يكون في هذه الحقائق الصحيحة يكون الثبات في الخارج عند الابتلاء. -ومن مستلزمات النقطة الأولى كذلك: البدء بالأصل قبل الفرع. فالفرد أصل والجماعة فرع، لأن الجماعة مكونة من أفراد، والدولة مكونة من أفراد، والأمة مكونة من أفراد، وهكذا، وكذلك الفرد مكون من قلب وجوارح، فإذن دائما الأصل يقدم على الفرع، لأننا حين نصلح النقطة المركزية تلقائيا ينصلح ما سواها تبعا لها، فإذن إصلاح الفرد هو الذي يتجه له الأمر أولا، ثم إصلاح الأسر والجماعات يأتي تلقائيا، ثم الأسرة الصالحة والجماعة الصالحة تصبح أصلا لما يتلو بعد من كتل، وكل كتلة تكون نواة لغيرها تعتبر أصلا لغيرها وفرعا عن أصلها، فدائما نظام الأولويات يحكمه هذا المبدأ: "الأصل قبل الفرع"، والأصل الأول قبل الأصل الثاني، والثاني قبل الثالث، والثالث قبل الرابع وهكذا...ولذلك كان الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرأ ويقرئ غيره، ويعلم ويعلم غيره. - ومن مستلزمات "اقرأ باسم ربك": التبرؤ من كل حول و طول، هذه نقطة مهمة جدا، لأن الأمر بالقراءة ليس أمرا تكليفيا بما لا يستطاع، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن متعلما القراءة حتى يقرأ شيئا مكتوبا، ولكنه أمر تكويني، أي "صر قارئا" بحول الله وقوته، لأن المفعول حين يحذف يكون التركيز على الفعل، وهنا حذف المقروء، فكان التركيز على فعل القراءة، أي "كن قارئا" باسم ربك، لتكون قراءتك باسم ربك -وأنت أمي- من أعظم المعجزات الدالة على نبوتك، ويكون إقراؤك لأمتك وتزكيتها بالعلم الرباني لتصبح خير أمة من أعظم معجزات الوحي الصانع لأمة فريدة في التاريخ الحضاري. وهذا التعبير "اقرأ باسم ربك" يراد منه أمران كبيران لابد أن نستصحبهما باستمرار، وهما: الاستئذان، واستمداد الحول. كأنك تقول: أستأذن الله تعالى وأتوكل عليه، أي لا أمارس فعل القراءة إلا بعد استئذان الله، ولا أمارسه بحولي، ولكن أمارسه بحول الله وقوته وقدرته. وإذا كان من المعلوم تاريخيا أن الأحكام كانت تصدر باسم الكاهن، أو الساحر، أو ما أشبه، فإن الواقع أيضا يعرف أحكاما تصدر باسم مجلس الثورة أو باسم رئيس الجمهورية أو ما أشبه، فالتعبير إذن هنا "باسم ربك" يراد منه تصحيح هذا. وفي مقامنا هذا، ما أمرت به الشريعة يجب أن نقدم عليه متوكلين على الله وحده كائنا ما كان، لا على حولنا ولا على قوتنا، إذ لا حول لنا ولا قوة مهما أعددنا. وهذه النقطة مركزية، خصوصا وأن الله تعالى علم المسلمين درسا من حنين في ظروف صعبة حيث قال لهم "ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا" التوبة/25 التفات القلب إلى غير الله يجلب الهزيمة، فقلب المؤمن لا ينبغي أن يتوكل إلا على الله، وألا يتجه إلا إلى جهة واحدة لا شريك لها هي جهة الله جل جلاله وإن أعد ما أعد، وإن أعددنا ما أعددنا أفرادا أو جماعة أو دولة أو أمة. قال الله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" الأنفال/ 61 ولكن مع الإعداد لابد من التوكل على الله، لأن التوكل هو القوة التي لا قوة فوقها. هذا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئا "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون" العنكبوت/48 ولكنه صار قارئا بحول الله وقوته. نشر بجريدة المحجة الصادرة بفاس بتاريخ 11 صفر الخير 1428ه/02 مارس 2007م العدد 272
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة العلق ثانيا: أول العلم العلم بربنا خالقا ومعلما لنا، ثم العلم بالإنسان (من حيث هو إنسان) مخلوقا ومعلما من ربنا: وذلك مما يستلزم: -ذكر نعم الله تعالى طريقا للعلم به والخشية له وعلى رأس تلك النعم نعمتا الخلق والتعليم. -تركيز الاهتمام بالإنسان لتميزه موقعا وتكريما وتعليما. -التعليم أكبر مظهر للتكريم. العلم مهم، ولكن أي علم نطلب أولا؟ هل هو علم النحو؟ هل هو علم الفيزياء؟ هل هو علم الفلك؟ العلم الأول الذي به تتم الرؤيا ويستطيع البصر أن يبصر الحقيقة، هو العلم بالله جل جلاله، لأن المسألة لها علاقة بشيء مركزي إذا تحدد ذلك الشيء تحددت التوابع، وإذا لم تستقر الحقيقة الضخمة كل الأمور الأخرى لن تأخذ مواضعها. فأول نقطة يجب أن تستقر في موضعها استقرارا تاما هي العلم بالله، لأننا نجد أن الله جل جلاله في الايات الخمس الأولى، لم يتحدث عن شيء، غير الله سبحانه. قال "اقرأ باسم ربك " بمجرد أن ذكر "ربك" ليس بعدها إلا التعريف بهذا الرب، الذي خلق، خلق الإنسان من علق، هذا الرب الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. ماذا في هذه الآيات؟ ماهو هذا الشيء الذي له الصدارة في هذه القراءة أو في أمر العلم، أو في أمر التعلم، أو في أمر التعليم. إنه أساسا العلم بالله جل جلاله، وبالتحديد العلم بربنا الذي لم يرد في القرآن إلا مضافا "ربنا" "ربكم" "رب العالمين" للإشعار دائما بعظمة الإنعام الرباني على كل شيء في الوجود، وبالأخص نعمتي الخلق والتعليم بالنسبة للإنسان. الأولى فيها وجوده، إذ لو يخلق لم يوجد، والثانية فيها سر قدراته كلها، كل ما يفعله علمه من قبل المعلم الذي هو الله جل جلاله "الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" علمه بالقلم وبغير القلم، ولكن الله تعالى أبرز أداة التعليم بالقلم، لأن القلم كان وما زال سبب ما اكتسبه الإنسان من علوم ومعارف على مر العصور. ورصيد الهدى الذي تفضل الله به علينا من خلال العلم الذي تعلمناه من الوحي بالقلم وبغير القلم، هذا العلم كان هو سر نهوض الأمة سابقا، وكان هو سر سيادة آدم وبنيه على سواه قبل ذلك "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الاسماء كلها" البقرة/29-30. فهذا التعليم لآدم هو أسرار الخلافة "إني جاعل في الارض خليفة" البقرة/29. وإذا كان الله تعالى أبرز في أول آيات المطلع نعمة الخلق مطلقا فإن التركيز جاء بعد ذلك على الإنسان بصفته مخلوقا ومعلما من ربه الأكرم. فإذن هناك أمران كبيران لابد من العلم بهما كما ينبغي: -الأمر الأول هو الله جل جلاله، وهو عنوان هذا المعنى، هو عنوان على جميع العلم الذي جاء من عند الله، فإذن العلم بالملائكة وبالكتب والقدر وبالرسل والآخرة، العلم عموما الذي جاء من عند الله عز وجل داخل في العنوان الأول. -والأمر الثاني العلم بكل ما له صلة بالإنسان تسخيرا وتسييرا وتدبيرا كله أيضا داخل في العنوان الثاني، الذي هو العلم بالإنسان، الذي سخر الله تعالى له الكون بأجمعه "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض" لقمان/ 19 فحين نعلم الإنسان، ووظيفة الإنسان، وموقع الإنسان، وما هو الإنسان، تلقائيا يستلزم أن نعرف ما سخر لهذا الإنسان، ونتجه إلى أن نعرف كيف سخر ما سخر لهذا الإنسان. فهذه هي النقطة الكبيرة والمهمة، فما أهميتها بالنسبة للفرد؟ بالنسبة للجماعة؟ بالنسبة للأمة أو للدولة بصفة عامة؟ أولوياتها بالنسبة للفرد والأمة والدولة هي أن يضع الكل في حسابه أولويات العلم، والعلم الشرعي لا سواه، العلم الشرعي هو رأس الأمر، ورأس العلم الشرعي هو الوحي، ورأس الوحي هو كتاب الله تعالى، هذه حقيقة ضخمة، كلية أساسية مهمة، يجب أن تكون في غاية الوضوح ويجب أن ننطلق منها أفرادا، وننطلق منها أسرا وجماعات ودولا وننطلق منها أمة. داخل هذا الإطار –إطار العلم الشرعي- يأتي العلم بالله جل جلاله كأي معلومة تقدم على سواها، لأنك حين تعرف الله يصغر عندك كل ما سواه ولا يكبر إلا هو وتنتهي أهمية ما سواه، بل تبقى أهمية ما سواه بقدر ما أعطاه الله تعالى من أهمية، وإذاك تبتدئ العبدية، وإذاك تبتدئ العبودية، وإذاك تبتدئ العبادة على وجهها الصحيح، وإذاك يبتدئ الوجود الإيماني الحقيقي للعبد. قبل أن يتم هذا الاتصال المباشر بالله جل جلاله كما عرف نفسه بنفسه في كتابه، لا إيمان ولا عبدية ولا عبادة، أي لاعبادة -على الحقيقة- لله قبل معرفة الله تعالى على وجه اليقين. فإذن عندما نفكر في أن نعرف الناس بالله، يجب أن نعرفهم به عن طريق كتابه، أي عن طريق الآيات المتعلقة بالتعريف بالله جل جلاله، كهذه الآيات نفسها وأشباهها في كتاب الله تعالى، وذلك هو التوحيد الحقيقي، التوحيد أو الإيمان يؤخذ من الآيات المتعلقة بالله جل جلاله، ومن الآيات المتعلقة باليوم الآخر، بالملائكة، بالرسل، بالكتب، بالقدر. ما أشد خيبتنا وخسراننا حين تركنا القرآن جانبا أو نزين به الجدران، أو نطبعه و نوزعه مزينا منمقا، والمطلوب أن يسكن القلوب، هذا المطلوب هو الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، كتبه في القلوب، ورسخه في الأعمال، هذا هو المنهاج. وهذه النقطة الثانية تستلزم: 1-تذكر النعم للوصول للعلم بالله علما يورث الخشية منه لأن العلم الذي لا يورث الخشية ليس بعلم أبدا. 2-تركيز الاهتمام بالإنسان لتميزه موقعا وتكريما وتعليما، لأن الإنسان هو الأساس في النجاح أو في الفشل في أي خطة أو عمل، أو في أي شيء، وبإصلاح الإنسان اشتغل الرسل، لم يشتغلوا بتأليف الكتب عليهم السلام، وإنما اشتغلوا بتأليف الرجال، اهتموا بالبشر، بالتحويل اللازم لبني آدم من الفساد إلى الصلاح، لوضع نماذج بشرية صالحة راضية مرضية عند الله تعالى في الواقع العملي، وبعد ذلك فليبلغ الشاهد الغائب. هذا محل التحدي عمليا، فلذلك الإنسان هو المحور، في أي عملية يراد القيام بها ينبغي التركيز أولا على العنصر البشري فيها. فيا خيبتنا ويا خسارتنا يوم نرى أن الثروة البشرية تصير عندنا أهون من الثروة الحيوانية، وأهون من الثروة المعدنية، ونرى البشر يتسكع في الطريق، ونراه يقتل الوقت ويقتله الوقت، وكائنات بشرية كثيرة لا تعرف ما تصنع، ولا تعرف ماذا يصنع بها، مع أن تلك الكائنات نفسها إذا فعلت التفعيل الصحيح وأوقد فيها السر الذي يفعل الإنسان، إذا خولطت كينونتها بالوحي فإنها تصير خلقا آخر، وتفعل في التاريخ العجب العجاب كما فعله العرب في الجزيرة العربية، فعلوه في التاريخ في شرق الكرة وجنوبها وغربها، مع أنهم كانوا أعرابا بداة لا يكادون يفقهون شيئا، ومع ذلك صنعوا ما صنعوا بالوحي لا بسواه، فانظر إلى أثر هذا العلم في النفوس، هذا العلم الذي يعتبر أكبر مظهر للتكريم بعد الخلق. وهل تميز آدم وبنوه إلا بهذه النقطة؟ نقطة التعليم الذي علمه الله عز وجل، إن أكبر ما تميز به آدم وبنوه، هو العلم والتعليم وما يندرج تحتهما من تفاصيل جزئية لا تخرج عن دائرة العلم والتعليم.
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة العلق جميلة جدا إشارتكم أخي يوسف فساد العلم ، الخلاص منه : [ اقرأ ] فساد القصد ، تصححه ب : [ باسم ربك الذي خلق ] بارك الله فيكم و في علم الدكتور البوشيخي أخي المدير العام. إليكم هنا بعض الرسائل التي استقيتها مما قرأت من إفادات و ما يسره الله لي - الرسالة الأولى في أن القراءة باسم الله هي أول خطوات الإبصار و بداية طريق العلم بالله و مقدمة إنجاز مهمة الاستخلاف، حيث بها يرتقي المسلم بين درجات تحقيق الإسلام حتى يصير مؤمنا.. ثم محسنا. و صالحا فمصلحا. و عالما ثم عاملا فمعلما و مبلغا.. و العلم حقيقة هو الوحي (قرآنا و سنة) و ما دونه صنائع، و هذه الأخيرة تابعة للعلم من حيث أن إتيانه و التحقق به يجعل المسلم مقبلا عليها و معتبرا إياها أولويته الاستراتيجية ليعيد بها الأمة إلى موقعها الجديرة به.. و يحسن الاستخلاف على وجه الأرض. ثم إن القراءة باسم الرب هي التبرؤ من كل حول و طول إلا به.. إنها ليست أمرا تكليفيا بما لا يستطاع (اقرأ يا محمد !) و لكنها أمر تكويني بفضل الله (كل قارئا بحول الله !) - الرسالة الثانية في أن أول علم يتعلم هو العلم بربنا خالقا و معلِّما، و العلم بالإنسان مخلوقا و معلَّما.. و العلم بالله معلما يقتضي معرفته كمرسِل لرسالة القرآن و التي من مقاصدها الأولى التعريف به.. و العلم بالله معلما يستلزم العلم بالحقائق كلها التي بَصَّرَنا بها، كالعلم بالغيب و سائر أركان الإيمان.. و العلم بالله خالقا يرجع للإنسان مصدريته، و يشعره بكرامته و يعرفه قدره، ف"العلق" مثلا بمعناها العلمي (الشيء الذي يتعلق بجدار الرحم) يجعل الإنسان مدركا أصله و حاجته و نعمته.. و بمعناها التربوي (التراب المخلوط بالماء الذي يعلق بالثوب) تذكر الإنسان بضعفه و هونه..، و العالم بالله المتعلم باسم الله يدرك هذه الحقائق كلها و يفهم أن كرامته و فضله (آدم على باقي المخلوقات) إنما نابعة من تكريم الله الأكرم له حيث خلقه و رزقه و علمه نفسه و موقعه و وظيفته بل دبر أمره كله .. "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الإسراء) "اقرأ و ربك الأكرم" (العلق) - الرسالة الثالثة في أن تذكر النعم و ذكرها يُحَصِل للعلم الذي يورث الخشية، و العلم بلا خشية لا شيء. و أول النعم التي ينبغي تذكرها الخلق و التعليم. - الرسالة الرابعة في أن الإنسان هو المحور لأنه هو الخليفة و المكَرَّم بإمكان العلم و الفهم. فوجب التركيز عليه.. و أجل الأعمال تعليمه باسم الله. في مسلك التخلق: ـ العلم أولوية المسلم، فردا و أسرة و جماعة و أمة: و على رأسه العلم الشرعي و رأسه الوحي و يرأسه القرآن الكريم . و ينبغي أن يكون كل علم باسم الله. ـ معرفة الله أول العلم (الإيمان بالله..) و كلما كبر الله في عند الفرد كلما صغرت الشهوات و سفاسف الأمور في النفس "احفظ الله يحفظك.." ـ العلم يرافقه العمل فالتعليم (بلاغ، دعوة) ـ ما يسمى بالعلوم (الصنائع) كلها أولوية للمسلم، فهي وسيلته للارتقاء في المراكز الحضارية بين الأمم و هي عمرانه المادي الذي ينتج عما في قلبه و عقله من فهم لوظيفته و حسن أدائها.. ـ النية الصادقة و الإخلاص و التوكل و الأدب و التواضع و الخشية.. كلها أسلحة للمؤمن الذي يعزم على إتيان العلم و القراءة باسم ربه.. قال ربنا الأكرم: "و فوق كل ذي علم عليه" (يوسف)، " و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (الإسراء)، " و قل رب زدني علما" (طه). نسأل الله أن يوفقنا للقراءة باسمه و العلم به و الأدب معه.. و نحمد كثيرا أن خلقنا و علمنا و كرمنا..
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة العلق السلام عليكم جزاكم الله خيرا شكر الله لكم وجعلنا واياكم ممن ينتفعون بالقرآن