النص الشرعي بين "الحركة الإسلامية" وبين "دعوة الإسلام"!

الموضوع في 'منتدى الدعوة الإسلامية' بواسطة أبو محمد القاسم, بتاريخ ‏27 فبراير 2013.

  1. النص الشرعي بين "الحركة الإسلامية" وبين "دعوة الإسلام"!​

    الفطرة هي الدين، وما الدين إلا وحي من الله، وما الوحي إلا نص من كتاب الله أو نص من سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فآل أمر الدين كل الدين إلى أنه نص! و هنا يظهر الفرق جليا بين "الحركة الإسلامية" وبين" دعوة الإسلام". فالحركة الإسلامية تشتغل حول النص، بينما دعوة الإسلام تشتغل بالنص وفي النص! وتدعو إلى النص! فعملها مرتكز أساسا على التعامل المباشر مع الوحي، تخلقا بأخلاقه وتحققا بأحكامه وحِكَمِه، ودعوةً للناس إلى الدخول في فَلَكِه واستثمار مقاصده. فالنص في الأولى شعار، وهو في الثانية مَدَار، يؤدي الدخول في محيطه إلى ابتلاء عملي للنفس، وسلوك تطبيقي في المجتمع.
    والاشتغال "حول النص" قد يوهم أنه عملٌ بالنص وفي النص، بينما هو في الحقيقة مجرد رسم لأهداف إسلامية، لكن بسعي فكري وكسب بشري محض لا علاقة له بالنص، بل هو – من حيث منهجيته "الحركية" - خارج إطار النص! كما بيناه في المقدمة السابقة. وإنما مرجعه في ذلك هو منتوج الفكر البشري في مجال "التغيير الاجتماعي"، مما أنتجه "الآخر" من مناهج وتصورات، وما رسمه من قواعد وأولويات، في السياق الحضاري الغربي، وكان من صلب تجربته التاريخية، مما قد يخالف أولويات الدين أو ربما خالف طبيعة الدين! بسبب عدم استشارة النص تأصيلا واجتهاداً، وعدم الاحتكام إليه والاشتغال به ديانةً وتعبداً، وعدم جعله وسيلةَ قَصْدِهِ، ومَسْلَكَ مُرَادِه، وسُلَّمِ بنائه وعمرانه. فالاشتغال للدين في المجال الدعوي لا يكون إلا بالدين! إذْ لا يتم التوصل إلى غايته إلا بوسيلته. فهو الغاية والوسيلة معاً. وعدم اعتبار ذلك هو ما يُحَوِّلُ أهداف الاشتغال "حول النص" إلى مجرد شعارات، لا تجدد - في الواقع العملي - من الدين شيئا!([1])
    وقضية حرية "الوسائل" في المجال الدعوي ليست على إطلاقها أبداً! بل هي مقيدة بما ذكرنا من الاشتغال بالنص اجتهاداً وتأصيلاً! وعدمُ ضبط هذا أدَّى في كثير من الأحيان إلى الانحراف عن منهاج الدين، وإلى الضرب بعيدا عن أهدافه ومقاصده! بما جعل بعض الحركات تتحول من مشروع ديني تجديدي، إلى مجرد مشروع "مدني" لا يرتبط بالدين إلا قليلا!
    ولا يعني هذا أننا نعرض مشروعا "حرفانيا" في مجال الدعوة والإصلاح! أو أننا نقول بعدم جواز الاستفادة من تجربة "الآخر"، كلا طبعا. ولكن بشرط ألا تكون المنقولات من صلب المنهاج وأركانه! لأن المنهاج هو الدين. بل يجب أن تخضع الاستفادة لمقاييس الدين استصلاحا؛ حتى تصير جزءا من الدين، وتدخل تحت سلطان النص، وتصير - في سياق التنـزيل والتحقيق - عملا بالدين وتعبدا لله رب العالمين. وهو ما يستوعبه الدرس الأصولي الفقهي، بمناهجه الاستصلاحية والاستحسانية، المنضبطة إلى قواعدها الشرعية وتحقيقاتها الاجتهادية.
    والناظر في دعوة الإسلام كما وردت في القرآن يجدها لا تخرج عن مدرسة النص، بما هو وحي من الله جل علاه، وبيانٌ نبوي لمقتضياته وحِكَمِه! ولا بد من التنبيه في هذا السياق إلى أن القرآن لم يترك المجال الدعوي هملا بلا بيان، بل ذلك كان من أكبر المجالات التي اعتنى ببيانها وتدقيقها. ويكفينا في ذلك آية وظائف النبوة الدعوية التي تكررت في القرآن أربع مرات! من أوائله في سورة البقرة وآل عمران إلى أواخره في سورة الجمعة من المفصل! جاءت بألفاظ ثابتة لا تكاد تتغير إلا تقديما وتأخيرا، على حسب مقام السياق ومقاصده، ليس إلا! حيث حصر اللهُ جَلَّ جلالُه وظيفةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - الدعوية في ثلاث وظائف، واحدةٌ منها يمكن أن تنقسم إلى اثنتين؛ فيكون الجميع أربعا. وهي: التلاوة للآيات، والتزكية للقلوب، والتعليم للكتاب والحكمة. وواضح أن هذه الأخيرة يمكن أن تنقسم إلى تعليم للكتاب، وتعليم للحكمة. وتلك هي دعوة إبراهيم لهذه الأمة المسلمة. ولا يجوز أن يكون تكرار هذه الحقائق بألفاظها في القرآن عبثا! بل هو تقرير تشريعي لمنهج الإسلام الدعوي، الابتدائي والتجديدي معا، على سبيل الحصر والثبات والاستقرار! وكل وظائفه تلك تنطلق بالإنسان من النص وتنتهي به إلى النص! فاقرأ الآيات تَتْرَى وتَدَبَّرْ! ثم عُدَّ حقائقَها إن شِئْتَ عَدّاً!
    - الأولى : قوله تعالى في دعوة إبراهيم لهذه الأمة: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ))(البقرة: 129)
    - والثانية: قوله تعالى لهذه الأمة: ((كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمُ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ))(البقرة: 151-152).
    - الثالثة: قوله سبحانه في سياق المن بنعمة الرسالة المحمدية على المؤمنين: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ!)(آل عمران:164).
    - الرابعة: قوله تعالى في بيان سر النقلة العجيبة للمسلمين من حال إلى حال: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ!))(الجمعة:2).
    فأنت ترى أنه لا شيء من ذلك يخرج عن دائرة: ((يَتْلُو عَلَيْهِمُ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ!)) وكلها اشتغال بالنص وفي النص. فهي وظائف ثلاث: تلاوة وتزكية وتعليم! ولكن قطعا لكل وظيفة دلالة أعمق مما قد يتبادر إلى الذهن من معنى سطحي! بل هي – على ما فصلناه في غير هذا الكتاب - تلاوة بمنهج التلقي، وتزكية بمنهج التدبر، وتعليم بمنهج التدارس([2]). وكل ذلك مبثوث في الكتاب والسنة صراحة وضمنا، يَرِدُ كلما تعلق الأمر ببيان منهج تجديد الدين أو الدعوة إليه. ولا شيء من ذلك كله يخرج عن مجال تداول النص الشرعي والاشتغال به قرآنا وسنةً. ولذلك قال تعالى على سبيل الاستدراك على الذين بدلوا في المنهج وغيروا: ((وَ لَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ!))(آل عمران:79). وقد قُرئت: (تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ) كما هو معلوم؛ تنبيها إلى ضرورة الاعتصام بالوحي ديناً ودعوةً!
    وأما السنة فأمرها في هذا الشأن أعظم من أن يحاط به! ومشهور جدا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، المضروب مثلا لمراتب العمل الدعوي في استثماره للوحي. قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ. وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا. وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً! فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ!)([3]) وقال: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً!))([4]) وقال أيضا: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ!))([5]) فماذا بقي بعد ذلك من مدارات الدعوة غير النص؟
    إن الجوهر الحقيقي والمبرر الأساس لوجود العمل الإسلامي إنما هو تجديد التلقي للقرآن الكريم رسالة الله رب العالمين! القرآن من حيث حقائقه الإيمانية ومفاهيمه الشرعية، مع استصحاب البيانات النبوية في ذلك؛ لتنـزيله متدرجا على المنهاج الدعوي السليم، وتحقيق مناطاته في واقع الإنسان بما هو حركة عمرانية في الزمان والمكان. القرآن هو رسالة الرحمن إلى العالمين! هذه حقيقة أضاعها اليوم كثير من المسلمين! ولعل عددا غير قليل من أبناء الحركة الإسلامية سيحتاج إلى وقت ليس باليسير؛ من أجل أن تستيقظ روحه على هذه الحقيقة العظمى! ومن أجل أن يدرك كم كان يضرب – في حركته - بعيدا عن المقاصد الأصلية للدين ولدعوة الدين! نعم! كثير منا سيحتاج إلى وقت ليس باليسير، بل إلى مخاض فكري وروحي عسير! من أجل التخلص من الاعتقادات الباطلة، والفهوم الزائفة، التي تراكمت على عقولنا وأهوائنا، في تصور مفهوم العمل الإسلامي، وفي تصور معنى الدين! وذلك بما طال علينا من الأمد – في حركاتنا وتنظيماتنا - ونحن نضرب خارج مدار القرآن العظيم! ديناً ودعوةً! وبما ضربنا على أنفسنا بأنفسنا من حصار فكري، وجدار تصوري، أغلب حجارته ومادته من الأباطيل! جدار شكل حولنا برزخا سميكا معقدا، وكان حجابا بيننا وبين فطرية الدين! يمنع عنا أشعة الشمس! ويحجب عنا الرؤية السليمة لدعوة الدين! وإنها لحقيقة كبرى نحن عنها غافلون! فانظر إليها - إن شئتَ - من خلال هذه الآية البصيرة وتدبر! ((أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ؛ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ!))(الحديد: 16). ثم اقرأ منهاج الإصلاح القرآني مقرَّراً من لدن الله في كلمات! ((وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ!))(الأعراف: 170). فإنما الإصلاح: تَمْسِيكٌ بالكتاب وإقَامٌ للصلاة!​

    مقتطف من كتاب "الفطرية" للشيخ "فريد الأنصاري" رحمه الله
    __________________________________________________ _​



    [1] لك أن تنظر تفاصيل لهذا من جانب آخر، على المستوى التنظيمي خاصة. وذلك في الفصل الثالث من هذا البحث، خلال المبحث الأول في (الْمَعْلَم الرَّابِع: التنظيم الفطري).​

    [2] مجالس القرآن: 35-44. وبلاغ الرسالة القرآنية: 126.​

    [3] متفق عليه.​

    [4] رواه البخاري.​

    [5] رواه البخاري.​

     
  2. الشهاب

    الشهاب عضو جديد

    رد: النص الشرعي بين "الحركة الإسلامية" وبين "دعوة الإسلام"!



    جزاكم الله خيرا على ماخطت ايدكم وجعله في موازين حسناتكم ​
     
  3. رد: النص الشرعي بين "الحركة الإسلامية" وبين "دعوة الإسلام"!

    و أنتم من اهل الجزاء و أسأل الله تعالى أن يبارك فيكم. وجب التنبيه أن المقال لشيخنا رحمه الله و قد أثبتت مصدر النقل في آخر المقالة.
    بارك الله فيكم أخي الحبيب
    ​
     

مشاركة هذه الصفحة