الهدى المنهاجي في السيرة النبوية

الموضوع في 'منتدى الدعوة الإسلامية' بواسطة أمين, بتاريخ ‏30 أكتوبر 2013.

  1. أمين

    أمين مشرف

    خلاصة السيرة النبوية لابن هشام. نصوص ودروس


    لفضيلة الدكتور الشاهد البوشيخي



    (1) ذِكْرُ سَرْدِ النّسَبِ الزْكِيِّ

    أ-قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: هذا كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال : محمد بن عبد الله بن عبد المُطلب ـ واسم عبد المطلب شَيْبَةُ ـ بن هشام ـ واسم هشام عمرو ـ بن عبد مَناف ـ واسم عبد مَناف المُغِيرَةُ ـ بن قُصَيٍّ ـ واسمُ قُصَيٍّ زَيْدٌُُ ـ بن كلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيٍّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانَةَ بن خُزَيْمَةَ بن مُدْرِكَةَ ـ واسم مُدْرِكَةَ عامرـ بن إلْياس بن مُضَربن نِزار بن مَعَدٍّ بن عَدْنان... بن إسماعيل بن إبراهيم خليلِ الرحمن.

    ب - مما يستفاد من النص :

    1 - إن اسم " الله " جل جلاله كان معروفا في الجاهلية : (عبد الله).

    2- إن الله جل جلاله كان يعظم في الجاهلية تعظيما يسوى فيه معه سواه من السادة والكبراء؛ ولذلك قيل : ( عبد الله، عبد المطلب، عبد مناف). وغير بعيد من ذلك في زماننا التسمية ب : (عبد النبي وعبد الحسين...). فليتنبه.

    3- إن صلب جهل الجاهلية القرشية بناء على ما تقدم -لم يكن هو انكار وجود الله، ولا نفي عدد من صفات الله وأفعال الله؛ قال تعالى : >ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله< - وإنما هو عدم إخلاص العبادة والدين لله، باتخاذ أنداد وشركاء له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فليفقه هذا الجَحَدَة من النابتة قياسا على أهل الجاهلية أيهم أجل. ( قل أفغير الله تامروني أعبد أيها الجاهلون ) وليفقه هذا الجهلة والظالمون لأنفسهم من الورثة ممن لا يومن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون.

    4- إن النسب الزكي والعراقة في الصلاح والخيرمن أكبر المرشحات والمعينات للصالح الخَيِّر على حمل الخير والدعوة إلى الخير. فلتُخْتَرْ ـ بعد الصلاح ـ المعادن والمنابت والأصول. وإلا فلا ينال عهْد الله الظالمين كما قال الله تعالى.


    (2) أبو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمُّه

    أ- قال ابن اسحاق : وكان عبد الله -فيما يزعمون- أَحَبَّ وَلَدِ عبد المطلب اليه... فخرج به عبد المطلب حتى أَتَى به وَهْبَ بن عبد مَناف بن زُهْرَةَ بن كِلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر، وهو يومئذ سيد بني زُهْرَةَ نَسَباً وشَرَفاً، فزَوَّجه ابنتَه : آمنةَ بنتَ وَهْب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً ومَوْضِعاً... ثم لم يَلْبَثْ عبد الله بن عبد المطلب : أَبُو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَنْ هَلَكَ، وأُمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حامِلٌ به.

    ب- مما يستفاد من النص :

    1- أَنَّ أَبَوَيْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غُصْنان زكيّان من نفس دَوْحَة النسب الزكيّ، يلتقيان في الجد الرابع من جهة الأب : (عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَناف بن قُصَيِّ بن كِلاب بن مرة) والثالث من جهة الأم (آمنة بنت وَهْب بن عبد مَناف بن زُهْرة بن كِلاب بن مرة) وما أحسنَ أَن يَزْكُوَ الأصلُ من جهتيه!

    2- أن تَخَيُّر الأفضل للافضل من أحسن ما يُفْعَل : (أفضل أمرأة) ل(أحبّ وَلد)، وبذلك التخير أُمِرْنَا : >تَخَيَّروا لنطفكم<. وأفضلُ ما يُتفاضَل به بعدَ الدين، سُمُوُّ الخُلُق المؤدي الى سمُوِّ المنزلة وذلك هو حَاقُّ الشَّرَف. أمّا مَنْ بَطَّأ به عملُه فلن يُسرعَ به نسبُه. ولن يكون شريفا قطُّ من طاب نسبُه وأَصله، وخَبُثَ خُلُقُه وعمله. فاللَّهَ اللهَ في نفسكَ يامَنْ يُعْلي شأنَ الطين، ويَنْسَى شأن الخُلق والدين!!

    3- أَن الزواج كله قد تختصر رسالته كلها أحيانا في حالة إنجاب، لكن لِكَوْكَبِ دُرِّيّ قد تصير به الأرضُ غَيْرَ الأرضِ : (ثم لم يَلْبَثْ عبد الله...أن هلك..)

    4- أَن الفُقْدَانَ المبكّر للاب لا يعني أَن البِذْرَةَ المتروكة في باطن الارض لن تَنْبُتَ فَتَغْلْظَ فتَسْتَويَ فتبلغَ أَشُدَّها فتُزْهِرَ وتُثْمِرَ كَأَيْنَعِ وأكمل ما يكون الإزهار والإثمار. ومن ثَمَّ فلا يَيْأَسَنَّ مِنْ رَوْحِ الله عز وجل المبتَلَوْنَ بمصيبة الموت التاركون أَو المتروكُ لهم ذُرِّيةً ضِعافاً خافوا عليهم، فكل شيء عنده بمقدار، وفي كل شيء له أسرار، وهو سبحانه الحكيم المنعم بكل سارٍّ، وهو بفضله ورحمته الحافظ السَّتَّارُ مِنْ كُلِّ ضَارٍّ.

    5- ان المرأة زوجةً وأُمّاً هَي حاملة أثقال الجنس البشري؛ تحمل الحَمل -بفتح الحاء- وحدها في حياة الرجل، وتحمل الحِمل -بكسر الحاء- مع الرجل وتحملهما معاً (الحَمل والحِمل) بعد وفاة الرجل. ان رَحِمَها وَرَحْمَتَها المرحلةُ الأَساسُ في حياة ابن آدم : مرحلة التَّخَلُّق، مرحلة الخَلْق من بعد الخَلْق حتى يصير خَلْقاً آخر؛ قد نُفِخَ فيه الروح، وكُتِبَ رزقُه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. أَلاَ فاستَوْصُوا بالنساء خيرا؛ فإنه ما أكرمهنَّ إلا كريم، وما أهانهنَّ إلا لئيم، وإنما الجنة تحت أقدام الأمهات.


    (3) وِلاَدَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَرَضَاعَتُهُ

    أ- قال ابن إسحاق : وُلِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الاثنين، لا ثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ من شهر ربيع الأول، عامَ الفيل(1) ... فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّه صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَتْ الى جَدِّه عبدِ المُطَّلب أَنْ قَدْ وُلِدَ لك غُلام، فَأْتِهِ فَانْظُرْ إليه، فأَتاهُ فنظر اليه، وحَدَّثَتْه بما رأتْ حين حَمَلَتْ به، وما قيل لها فيه، وما أُمِرَتْ به أن تُسَمِّيَهُ (2). فَيَزْعُمون أنَّ عبدَ المُطَّلب أخذه، فدخل به الكعبةَ؛ فقام يَدْعُو الله، وَيَشْكُرُ لَهُ ما أعطاه، ثُمَّ خرج به الى أمِّه فدفعه اليها. والْتَمَسَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرُّضَعَاءُ؛ ...فاسْتَرْضَعَ له امرأةً من بني سَعْدِ بن بَكْر، يقال لها : حَلِيمَةُ، ابنةُ أَبِي ذُؤَيْبٍ... عبدِ الله بن الحارث... بنِ سَعْد بن بَكْر بن هَوَازِن. واسمُ أبيه الذي أرْضَعَهُ صلي الله عليه وسلم: الحارثُ بنُ عبد العُزَّى...بن سعد بن بكر بن هَوازِن. وإخوتُه من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأُنَيْسَةُ..وحُذافةُ..وهي الشَّيْمَاءُ..وهُمْ لحليمةَ بهتِ أبي ذُؤَيْبٍ... ويذكرون أنَّ الشَّيماءَ كانت تحضُنُهُ مع أُمها... ج1/157-161]

    ب- مما يستفاد من النص :

    1- اختيار الزمن الصالح للعمل الصالح، والاعمال تَشْرُفُ أو تزداد شرفا بالأزمنةِ والأمكنةِ التي أُنجزت فيها، كما أنَّ الأزمنةَ والأمكنة َتَشْرُفُ أو تزداد شرفا بسبب الأعمال. ولكلِّ ذلك شواهدُ معلومةٌ ، ومنها هذا اليوم المبارك: يوم الاثنين؛ فهو يومٌ تُفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُعرضُ فيه الاعمال كيوم الخميس >فيغفر الله لكل امرئٍ لا يُشركُ بالله شيئاً إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شَحْنَاءُ، فيقول:( اتركوا هذين حتى يصْطَلِحَا)<(رواه مسلم). لكنه يومٌ آزداد بركةً وشرفاً باختياره لولادة سيد وَلَدِ آدمَ، بل واختياره لبِعْتَثِهِ وإنزالِ أشرَفِ رسالة عليه، بل إنه هو أيضا اليوم الذي سيشرف بالتحاقه صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى،>حين اشْتدَّتِ الضُّحى من يومِ الإثنين، 12 ربيع الأول سنة 11 هـ، وقد تمَّ له ثلاثٌ وستون سنة<(الرحيق المختوم ص534). فاللهم صلِّ عليه وسلِّمْ عدَدَ خلقِكَ ورِضَاءَ نَفسِكَ وزِنَةَ عرشِكَ ومدادَ كلماتِكَ.

    2- الإسراع بتبشيرِ المُحبِّ بما يحبُّ تعجيلاً لإدخالِ السرور عليه :(فلما وضعتْ..أرسلتْ إلى جده...) وهو خُلُقٌ كريم أقرَّهُ الإسلام. قال تعالى في سورة يوسف عليه السلام:> فلمَّا أَن جاءَ البشيرُ ألقاهُ على وجهِهِ، فارتَدَّ بصيراً<.

    3- التَّعجيلُ بشكرِ النِّعمِ، وإنما النِّعمُ كلُّها من الله:> ومابكم من نعمةٍ فمن اللهِ<. والتعجيل بالشكرِ فِعلٌ لخيرِ البِرِّ؛ إذ خيرُ البرِّ عاجِلُهُ. وحسناً صنع عبد المطلب في زمانِهِ؛ إذ ( أخذه، فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكرله ماأعطاه). وقد نظَّمَ الإسلامُ شكرَ نعمة الولدِ بسُنَّةِ العَقِيقَةِ وغيرها، كما هو معلوم.

    4- تأكيدُ المُستفادِ الثالث في الحلقة الأولى؛ وهو أنَّ صُلْبَ جهلِ الجاهليةِ القرشيَّةِ الشِّركُ بالله تعالى، لاإنكارُ وُجُودِهِ (..فقام يدعو الله ويشكرله...).

    5- اِلتماس الأصلح الأنفع للرضيع غِذاءً وهواءً، لَبَناً ولساناً، من حُسنِ الرِّعايةِ والنُّصْحِ له حالاً ومآلاً. وقد كانت باديةُ بني سعدِ أنقى وأصحُّ هواءً من مكَّةَ، وأصحُ وأفصحُ لساناً وبياناً، فكان بذلك صلى الله عليه وآله وسلم صَحِيحاً فصيحاً بل>أفصحُ العربِ< كما قال.

    6- حُبُّهُ صلى الله عليه وآله وسلم جعلَ أُمَّتَهُ تُسمِّي بالنِّسبةِ إلى كثير مما يتَّصلُ به، ومن دلك التَّسميَّةُ ب" السَّعدِيَّةِ " نسبة إلى بني سعد حيثُ أرضع.

    جـ -هوامش: 1/>ويوافق ذلك ..شهر ابريل سنة571م<(الرحيق المختوم68) . وعام الفيل هو العام الذي قاد فيه أبرهةُ الحبشيُّ جيشه من اليمن لهدم الكعبة، فأرسل الله عز وجل >عليهم طيراً أبابيلَ، ترميهِم بحِجارةٍ من سجِّيلٍ، فجعلَهم كعصفٍ ماكولٍ<. 2/قال بن اسحاق:> ويزعمون -فيما يتحدث الناس والله اعلم- أن آمنةَبنتَ وهبٍ أُمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدِّثُ أنها أُتِيَتْ، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنكِ قد حملت بسيد هذه الأمَّةِ، فاذا وقع في الارض فقولي: أُعيذُه بالواحد، من شر كل حاسدٍ، ثم سمِّيه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نورٌ رأت به قُصورَ بُصْرَى، من أرضِ الشام< ( السيرة النبوية لابن هشام1/157-158)


    (4) إقامته صلى الله عليه وسلم رضيعا في بني سعد

    أ-قال ابن اسحاق: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية. أمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته، ُتحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها، وابنٍ لها صغير تُرضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرُّضَعَاءَ، قالت: وذلك في سنة شَهْبَاءَ، لم تُبق لنا شيئا. قالت: فخرجت على أتانٍ لى قمراءَ (القُمرة بضم القاف: بياض فيه كُدرة)، معنا شارفٌ لنا (الشارف: الناقة المسنة)، والله ما تَبِضُّ بقطرة (اي ماتسيل ولوبقطرة)، وماننام ليلنا أجمعَ من صبِيِّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، مافي ثدْيَيَّ ما يُغنيه، ومافي شارفنا مايغذِّيه-قال ابن هشام: ويقال: يغذيه- ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجتُ على أتاني تلك فلقد أَدَمْتُ بالركب (أي جعلتهم يدومون مدة اطول في الطريق) حتى شق ذلك عليهم ضُعْفًا وعَجَفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأةٌ إلا وقد عُرِض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها أنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول : يتيم ! وماعسى أن تصنع أمُّهُ وجدُّهُ ! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الإنطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صَوَاحِبِي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لاعليك أن تفعلي، عسى الله ان يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فاخذته، وماحملني على اخذه إلا أني لم اجد غيره. قالت: فلما اخذته، رجعت به إلى رَحْلِي، فلما وضعتُهُ في حِجْرِي أقبل عليه ثدْيَايَ بما شاء من لبن، فشرب حتى رَوِيَ، وشرب معه أخوه حتى َروِيَ، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي الى شارفنا تلك، فاذ إنها لحَافِلٌ (اي ممتلئة الضرع)، فحَلَبَ منها ماشرِب، وشربت معه حتى انتهينا رَيًّا وشِبَعًا، فبتنا بخيرليلة. قالت: يقول صاحبي حين اصبحنا: تَعَلَّمِي واللهِ ياحليمة، لقد أخذتِ نَسْمَةً مباركة (اي نفسا طيبة)؛ قالت: فقلت: والله إني لارجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت(أنا) أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعتُ بالرَّكْبِ مايقدر عليها شيءٌ من حُمُرِهِم، حتى إن صَوَاحِبِي ليقلن لي: يابنت ابي ذؤيب، ويحك! أَرْبِعِي علينا (انتظرينا)، اليست هذه اتانَكِ التي كنت خرجت عليها؟ فاقول لهن: بلى والله، انها لهي هي؛ فيقلن: والله ان لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد ومااعلم أرضا من ارض الله أجدَبَ منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شِبَاعاً لُبَّناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولايجدها في ضَرْع، حتى كان الحاضرون (غير المقيمين بالبادية) من قومنا يقولون لرُعْيَانِهِم: ويلكم اسرحوا حيث يسرَحُ راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح اغنامهم جياعا ماتبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لُبّنا. فلم نزل نتعرَّفُ من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاهُ وفَصَلْتُهُ، وكان يشِبُّ شبابا لايشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جَفْرًا (اي غليظا قويا). قالت: فقدمنا به علىُ امه ونحن أحرصُ شيءٍ على مُكْثِهِ فينا، لمِا كنا نرى من بركتِهِ. فكلمنا امْهُ وقلت لها: لوتركت بُنَيْ عندي حتى يَغْلُظَ، فاني اخشى عليه وَبَأَ مكة (مرض الطاعون بها)، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا. السيرة1/162-164]

    ب-ممايستفاد من النص:

    1-أن من اسباب ظاهرة الاسترضاع شدة حاجة البدو الى الرزق. وذلك ماجعل النساء في سنة شهباء يرتزقن بالأَثْدَاِء فيخرجن يلتمسن الرضعاء مسافات ومسافات.

    2-انه لامفر من قدرٍ؛ فلقد كان مقدورا لحليمة السعدية ان تُرضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :أَبَتْ اخذَهُ فيمن أَبَيْنَ، واعرضت عنه فيمن اعرضن لِيُتْمِه، ولكنها في الاخير اضطُرت اليه اضطرارا(فما منا امراة الا وقد عرض عليها..فتاباه اذا قيل لها انه يتيم..فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امراة قدمت معي الا اخذت رضيعا غيري..والله لاذهبن الى ذلك اليتيم فلآخذنه..وماحملني على اخذه الا أني لم اجد غيره).

    3-ان بركته صلى الله عليه وآله وسلم كانت تحل في كل مايتصل به فيتحول باذن الله العزيز الحميد من النقيض الى النقيض !:
    الثديان اللذان ليس فيهما ما يغني الوليد يقبلان عليه صلى الله عليه وآله وسلم بما شاء من لبن فيشرب حتى يروى ويشرب معه اخوه حتى يروى وينام. وماكان يُنام معه قبل ذلك من الجوع!.
    الشارف التي كانت ماتبض بقطرة تصير في الحال حافلا ممتلئة الضرع، تشرب من حليبها حليمة وزوجها حتى الانتهاء ريا وشبعا!.
    الأتان التي كانت تؤخر الركب لضعفها وعدم قدرتها على السير، صارت بعد ان حُمل عليها>مايقدر عليها شيء من حمرهم<! حتى ان صواحب حليمة قلن لها:>أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟..والله ان لها لشانا<!.
    ارض بني سعد التي لاتعلم حليمة >ارضا من ارض الله اجدب منها< تسرح فيها اغنام حليمة فتروح شباعا لبنا، يحلب منها ويشرب وتسرح فيها اغنام غيرها-وحيث تسرح اغنامها->فتروح جياعا ماتبض بقطرة لبن<!

    4-انه من البداية صلى الله عليه وآله وسلم كان قوي البنية ممتلئا، اذ كان يشب شبابا لايشبه الغلمان؛ فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا. والبدايات اساس النهايات.

    5-ان فضل الله عز وجل فيه الغناء عن كل ماسواه ؛ فهاهو اليتيم الذي كره اخذه اولا، وقيل فيه زهدا فيه: >وماعسى ان تصنع امه وجده؟< يحرص على مكثه وبقائه اشد الحرص، لما ظهر >من بركته < حتى لتكلم حليمة امه آمنة قائلة استبقاء له: >لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فاني اخشى عليه وبأ مكة<. وما هي بخاشية عليه-والله اعلم-وبأ مكة، وانما هو الحرص على استمرار >البركة<. فاللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد.

    يتبع إن شاء الله

    ​
     
  2. أمين

    أمين مشرف

    رد: الهدى المنهاجي في السيرة النبوية


    (5) إقـامته الثانية فـي بني سعد وحـادثة شـق البطـن


    أ- قال ابن اسحاق مواصلا حكاية قول حليمة السعدية:

    قالت : فرجعنا به، فوالله أنه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بهم (جمع بهمة : أولاد الضأن والمعز) لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد : (يسرع)، فقال لي ولأبيه : ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقا بطنه، فهما يسوطانه (أي يضربانه). قالت : فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا لونه (أي متغيرا من الخوف). قالت : فالتزمته (أي اعتنقته) والتزمه أبوه، فقلنا له : ما لك يا بني: قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا شيئا لا أدري ما هو. قالت : فرجعنا إلى خيامنا. قالت : وقال لي أبوه يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت : فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فقالت : ما أقدمك به يا ظئر(الظئر : العاطفة على ولد غيرها) وقد كنت حريصة عليه، وعلى مكثه عندك؟ قالت : فقلت : قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته إليك كما تحبين، قالت : ما هذا شأنك، فاصدقيني خبرك. قالت : فلم تدعني حتى أخبرتها. قالت : أفتخوفت عليه الشيطان؟ قالت : قلت نعم : قالت : كلا، والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبني لشأنا، أفلا أخبرك خبره، قالت : بلى، قالت : رأيت حين حملت به، أنه خرج مني نور أضاء قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة. (السيرة النبوية 1/164-165)

    ب- ممايستفاد من النص:

    1- أنه صلى الله عليه وسلم أقام مرة ثانية في بني سعد أشهرا بعد الإقامة الأولى التي أتم فيها سنتي الرضاع كما تقدم (حتى مضت سنتان وفصلته.. فرجعنا به، فوالله أنه بعد مقدمنا بأشهر..) وذلك جعله يستفيد من البادية كثيرا في لسانه وجسمه وعقله.

    2- أنه شارك في رعي الغنم في هاته السن المبكرة، ثم رعاها بعد كبيرا لأهل مكة على قراريط، وما "من نبي إلا وقد رعى الغنم" إعدادا له. (..مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا).

    3- إن حادثة شق الصدر وقعت له أول ما وقعت وهو في الثالثة من عمره (فوالله أنه بعد مقدمنا بأشهر.. إذ أتانا أخوه يشتد..) وفي صحيح مسلم (باب الإسراء من كتاب الإيمان).

    وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست مِنْ ذهب بماء زمزم ثم لأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره) فقالوا : إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس : وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره".

    ثم تكررت الحادثة أول الإسراء قبل العروج إلى السماء، كما في صحيح مسلم أيضا باب الاسراء.

    4- إن حادثة شق الصدر هاته من أكبر التحضيرات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نزع من صدره في وقت مبكر أصل الغل، وأخرج من قلبه حظ الشيطان، فصار طاهرا مطهرا، غير قابل لأن تؤثر فيه البيئة و المحيط أثرا غير صالح، إذ لم يعد موجودا فيه ما به تحصل الاستجابة لذلك والتجاوب معه، فنما زكيا وترعرع نقيا لتلقي الحق، حتى جاءه الحق وهو أكثر ما يكون استعدادا.

    يتبع إن شاء الله

    المصدر: جريدة المحجة


    ​


    ​
     
  3. أمين

    أمين مشرف

    رد: الهدى المنهاجي في السيرة النبوية


    السيرة النبوية لابن هشام دروس ونصوص(6)


    وفاة آمنة ثم عبد المطلب، وكفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.


    أ ـ قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب. وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لمايريد به من كرامة، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، توفيت أمه آمنة بنت وهب ...بالأبواء (مكان بين مكة والمدينة)، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار، تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به الى مكة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا؛ ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم. وذلك بعد الفيل بثماني سنين. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب ـ فيما يزعمون ـ يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا طالب أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم. وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، فكان إليه ومعه.


    ب ـ مما يستفاد من النص :

    1ـ أن أبويْ رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلا من هذه الدنيا وهما في عُنْفُوان الشباب : أبوه رحل إثر زواجه وحَمْل آمنة منه، وأمه رحلت بعد وضع حَمْلها بست سنين. فإذا عُلِمَ أن العادة في مثل تلك البيئة البلوغ المبكر والزواج المبكر، تَبَيَّن أن رحيل أبويه معا قد يكون كان قبل إتمامهما العشرين، كأن رسالتهما في الحياة لم تكن أكثر من أن يُنْجباه!

    2 ـ أن حاجة الطفل قبل السابعة من عمره إلى الأم أشد من حاجته إلى الأب، وحاجته إليهما بعد السادسة أقل من حاجته إليهما قبلها؛ لأن الطفل الغض كلما نما اشتد فتتناقص حاجاته مع الأيام، وكلما كان هشًّا طريًّا اشتدت حاجته إلى الرفق واللطف، والرأفة والرحمة، والحنان والحب، واليد الناعمة والحضن الرطب، وقد آتى الله ـ جلت حكمته ـ من ذلك المرأة ما لم يُؤْته الرجل، فإذا صارت أُمًّا آَلَتْ ـ أو كادَتْ ـ إلى أن تصبح محض رحمة لوليدها الغضَّ! >صُنْعَ اللَّهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ<!!

    3 ـ أن الله جل جلاله متع رسوله المنتظر بأمه في فترة اشتداد حاجته إليها خير تمتيع، لينبته (نباتا حسنا لما يريد به من كرامته) فَسُقِيَ حَتَى رَوِيَ؛ إذ جعل أمَّهُ خَالِصة له لا شريك له فيها لست سنين : لم تُنْجِبْ سواه، بل لم تتزوج بعد أبيه قط!!

    4 ـ أنه صلى الله عليه وسلم زار "المدينة"وهو صغير (ابن ست سنين) مع أمه التي (قدمت به على أخواله من بني عَدِيّ بن النجار، (تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة). قال ابن هشام : أم عبد المطلب بن هاشم : سلمى بنت عمرو النجارية. فهذه الخؤولة التي ذكرها ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم). فهو إذن له رحم بالمدينة التي ستصبح بعد دار هجرة وإقامة.

    5 ـ أنه ابتداء من السنة السادسة بدأ يُدَرَّبُ على تَحَمُّل المصائب بدءا بِأَقْدَحِهَا وهو مَوْتُ الأم التي انقطعت له ست سنين، ذاق فيها طعم الأمومة وتَضَلَّعَ من حنانها، حتى إذا صار أكثر ما يكون بها ارتباطًا وإحساسًا، ولها عشرةً وصحبةً، فارقته وهما في سفر. ثم ما إن اندمل الجُرْحُ بإكرام جده عبد المطلب له، وحُنُوَه البالغ عليه، وتقديمه له في مجلسه، بالسماح له وحده بالجلوس على فراشه الخاص به، ـ حتى (هلك عبد المطلب) أيضا، (بعد الفيل بثماني سنين)؛أي بعد وفاة أمه آمنة بسنتين؛ وكأنه كان صلى الله عليه وسلم تُقْطَعُ أقوى روابطه بالخَلْق إعدادًا له لربطها بالخالق، وتُوَالَى عليه البَلاَيَا تقويةً للعود وتَمْتِينًا للظهر في وقت مبكر.

    6 ـ أن كفالة القريب بعد انعدام الأقْرَب ضروريةٌ لإستمرار النمو الطبيعي للطفل؛ ذلك بأنه لا بد في الحياة من إِشْرَافٍ، للكبير على الصغيرلتسير الحياة لكن بشرط المحبة والرشد لتمييز المصالح من المفاسد بعلم وحكمة، والمحبة لجلب المصالح ودرء المفاسد بنُصْحٍ ورحمة. (وكان عبد المطلب ـ فيما يزعمون ـ يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا طالب أخوان لأب وأم... فكان إليه ومعه).


    يتبع إن شاء الله

    المصدر: جريدة المحجة


    ​
     
  4. أمين

    أمين مشرف

    رد: الهدى المنهاجي في السيرة النبوية

    السيرة النبوية لابن هشام دروس ونصوص(7)
    ​


    قــصـــة بـَحِـيـــــرَى


    قال ابن إسحاق : ثم إن أبا طالب خرج في رَكْب تاجراً إلى الشام، فلما تهيَّّأ للرحيل، وأجمع المسيرَ صَبّ به (تعلق به) رسول الله (ص) -فيما يزعمون- فرقّ له (أبو طالب) وقال : والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدا، أو كما قال. فخرج به معه فلما نزل الركبُ بُصْرى من أرض الشام، وبهما راهب يقال له بَحيرى في صَوْمعة له، وكان إليه عِلْمُ أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قطّ (قديم الزمان) راهبٌ، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العامَ ببحيرى وكانوا كثيراً ما يمرون به قبلَ ذلك فلا يكلِّمهم ولا يَعْرِض لهم حتى كان ذلك العام. فلما نزلوا به قريبا من صَوْمعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسولَ الله (ص)، وهو في صَوْمَعته، في الرَّكْب حين أقبلوا، وغمامة تُظِلُّه من بين القوم. قال : ثم أقبلوا فنزلوا في ظلّ شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلَّت الشجرة، وتَهَصّرت أغصان الشجرة على رسول الله (ص) حتى استظلّ تحتها، فلما رأى ذلك بَحيرَى نزل من صَومعته، ثم أرْسل إليهم، فقال : إني قد صنعتُ لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أُحبُّ أن تحضُروا كلُّكم، صغيركم وكبيرُكم، وعبدُكم وحركُم : فقال له رجل منهم : والله يا بَحيرَى إنّ لك لشأنا اليومَ،فما كنتَ تصنع هذا بنا، وقد كنّا نَمُرُّ بك كثيراً، فما شأنك اليومَ؟ قال له بحيرى : صدقتَ، قد كان ما تقول، ولكنَّكم ضَيْفٌ، وقد أحببتُ أن أكرمكم وأصنعَ لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلَّف رسولُ الله (ص) من بين القوم، لحداثة سنه (لصغر سنه)، في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نَظَرَ بحيرى في القوم لم يَرَ الصّفَةَ التي يعرِفُ ويَجدُ عنده، فقال : يامعشر قريش لا يَتَخَلَّفَنَّ أحد منكم عن طعامي، قالوا له : يابحيرى ما تخلَّف عنك أحدٌ ينبغي أن يأتيك إلا غلامٌ، وهو أحدثُ القوم سنا، فتخلَّف في رِحالهم، فقال : لا تفعلوا، ادعوه فليحضُر هذا الطعامَ معكم. قال : فقال رجل من قُريش مع القوم، واللات والعزَّى، إن كان لَلؤْمٌ بنا أن يتخلَّف ابن عبد الله بن عبد المطَّلب عن طعامٍ من بيننا، ثم قام إليه فاحتَضَنَه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرى جعل يَلْحَظهُ لَحْظا شديدا ويَنْظُرُ إلى أشياء من جَسَده، قد كان يَجِدُها عنده من صفته ، حتى إذا فَرَغَ القومُ من طَعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال (له) : يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عَمَّا أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قَومه يَحلفون بهما. فزَعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (له) : لا تسألني باللات والعزّى، فوالله ما أبغضت شيئاً قطُّّّ بُغضَهما، فقال له بحيرى : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له : سَلْني عمَّا بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حالِه في نوْمه وَهَيْئَتِه وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صِفَتِه، ثم نظر إلى ظَهْرِه، فرأى خَاتم النبوة بين كَتِفَيْه على موضعه من صفَته، التي عنده. قال ابن هشام : وكان مثلَ أثر المِحْجَمْ. قال ابن إسحاق : فلما فرغ، أقبل على عَمِّه أبي طالب، فقال له : ما هذا الغلامُ منك؟ قال : ابني. قال له بحيرى : ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّّّاً، قال : فإنه ابنُ أخي، قال : فما فعل أبوه؟ قال : مات وأمه حُبْلَى به، قال : صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحْذَر عليه يهودَ، فوالله لئن رأوْه وعَرَفوا منه ما عرفتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرّا، فإنه كائنٌ لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم، فأسْرع به إلى بلاده. فخرج به عمُّه أبو طالب سريعا حتى أقدمهُ مكة حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا فيما رَوى الناسُ، أن زُرَيْراً وتمَّاما ودَريسا، وهم نَفَر من أهل الكتاب، قد كانوا رَأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رَآه بحيرى في ذلك السفر، الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكَّرهم اللهَ وما يجدونه في الكتاب من ذِكْرِه وصِفَتِه، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلُصوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ بِهمْ حتى عرفوا ما قال لهم، وصدّقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه : فشبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يَكْلَؤُه ويحفظه ويحُوطُه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أنْ كان رجلاً، وأفْضَلَ قومه مروءةً، وأحسنهم خُلقاً، وأكرمَهم حسبا، وأحسَنهم جواراً، وأعظَمهم حلْما، وأصدَقهم حديثا، وأعظمهم أمانةً، وأبعَدهم من الفحش والأخلاق التي تُدَنِّّّّسُ الرِّجال، تنزّها وتكرّما.

    مما يستفاد من النص :

    1- أنه من فرص التكوين وصور الإعداد الممتازة التي كانت تتيحها البيئة المكية لناشئتها وشبابها الخروجَ للتجارة ولاسيما التجارة الدولية بلغة اليوم في رحلة الشتاء لليمن جنوبا، ورحلة الصيف للشام شمالا، ذلك بأن في التجارة أسفاراً، والسفر من حيث هو قطعة من العذاب، فكيف إذا كان عبرالفيافي والقفار، وعلى النوق والجمال المحملة بالبضائع المصدرة والمستوردة. وفي التجارة أخطاراً؛ أخطارَ الربح والخسارة، وأخطار السرقة والنَّهْبِ والغصب، وقبل ذلك وبعده أخطار فتنة المال الكشَّافة عن معادن الرجال ورحم الله القائل : >جربوا الناس عند الدينار والدرهم<. وفي التجارة علماً بالواقع وفقهاً له؛ واقع الرجال، وواقع البيئات، وواقع الشعوب، وواقع القُوى والتوازنات... وقبل ذلك وبعده واقع الحياة. وفي التجارة تدريباً أي تدريب، على كسب لقمة العيش والغنى عن الناس بل ربما سيادة الناس، لأن التجارة باب من أبواب الرزق الكبرى، وطريق من طرق السيادة على المال، والمال قوام الأعمال. وهل كَثُرَ اليهود اليوم في عين الناس وهم قلة، وسادوا وهم الذين ضربت عليهم الذلة بغير السيادة على المال؟! وفي التجارة... وفي التجارة... وكل ذلك مما به يشتدّ عُودُ الفتى ويمْتُنُ وتنمو به الخبرات وتتنوع ويزداد به رصيد الاستعداد لمنْ يُعَدُّ للغد. ولقد كان في خروج "الغلام الجَفْرِ" محمد بن عبد الله وهو ابن >اثنتي عشرة سنة< الروض الأنف : 1/206] مع عمه أبي طالب (في ركْبٍ تاجراً إلى الشام) من الفوائد ما فيه، وهو الذي يُعَدُّ لحمْلِ أعظم رسالة في الغد وقيادة الشمال والجنوب بَعْدُ.

    2- أنه من أنجح أساليب التربية الصُّحْبَةَ الناتجة عن الحب المتبادل؛ فالمتربي يحب المربّي ولا يكاد يطيق فراقه لمؤهّلات فيه، والمربي يحب المتربي ويحرص على ملازمته لاستعدادات فيه، وذلك كان شأن الغلام الهُمامِ مع عمه الحكيم المقْدَام : الغلام تعلَّق بعمه (صَبَّ به) ولم يُطق البقاء دونه حبّاً والعم رقّ لابن أخيه ولم يطق تركه حبّاً، فكان أن صدر منه هذا القسم الجازم : (والله لأخْرُجَنَّ به معي ولايُفارقني، ولاأُفارقه أبداً.أو كما قال)

    3- أن أقرب الناس مودّة لاهل الحق والخير الصادقون من النّصارى، ولاسيما علماء الرهبان، وأن أشدَّ الناس عداوةً لاهل الحق والخير، اليهودُ، ولاسيما دَهَاقِنَة الأحبار وما كان أحرص "بحيرى" على الخير وهو ينبُتُ نباتا مُصَدِّقاً لبشْرى عيسى عليه السلام في قوله لأبي طالب : (فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه يهود. فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّهُ شراً)! ولو أن "نصارى اليوم" و "مسلمي اليوم" تحرَّرُّوا أوحُرِّرُوا من "نفوذ التَّهويد" المادي والمعنوي، لهان أمر اليهود. وصدق الله العظيم إذ قال >لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لايستكبرون< (سورة المائدة 84).



    ​
     

مشاركة هذه الصفحة