معنى ""تغيير المنكر بالقلب" (شرح فريد للشيخ فريد)‎

الموضوع في 'منتدى الدعوة الإسلامية' بواسطة أبو محمد القاسم, بتاريخ ‏31 مايو 2013.

  1. ........
    المسالة الرابعة: أن التغيير بالقلب فعل من الأفعال! وليس سكوتا، كما ذهب إلى ذلك بعضهم، وذلك لأمرين، الأول: طبيعة هذا الدين، والثاني: سياق اللغة. فأما الأول فإنه لا يجوز في حق الرسول (صلى الله عليه و سلم) أن يقر أمته على السكوت على المنكر، بمعنى السكون السلبي تجاهه، مهما كانت الظروف! فلابد من التغيير مهما كان ضئيلا. وقد رأيت الآيات والأحاديث مجمعة على هذا، لما تتضمنه من وعيد شديد في حق تارك التغيير، مما فصلناه في المقدمتين: الثالثة والرابعة بما فيه الكفاية. وأما الثاني: فإن لفظ التغيير (فليغيره) مفهوم بوضوح في قوله: «فإن لم يستطع فبقلبه!» أي «فليغيره بقلبه» وهذا التقدير مما لا يختلف فيه اثنان، والتغيير كما تعلم (حركة) وليس سكوتا أو سكونا! بل إنه نقل الشيء من حال إلى حال، ولا معنى للتغيير غير ذلك.
    فالمقصود بالتغيير بالقلب إذن إحداث (تحول)، إلا أن الفرق بينه وبين سابقيه، من التغيير باليد واللسان، أن هذا تغيير باطني (قلبي) أي ذاتي. وهذه إشارة مهمة منه عليه الصلاة والسلام إلى طبيعة المنكر، تفيد أن المنكر ذو طبيعة متعدية، فإن لم تغيره غيرك! ولا وجود لاحتمال وسط، أي لا منزلة بين المنزلتين، ولذلك فإنه يستحيل عقد هدنة مع الشيطان! فكلما تقابل الحق مع الباطل في موطن إلا وجب تدافعهما حتما. وذلك يقع إما بفعل الإنسان الحركي، أو بفعله القولي، أو بفعله القلبي، ذلك أنك حينما تعجز تماما عن استعمال الوسيلتين الأوليين، فاعلم أنك مهدد أنت بأن تكون ضحية المنكر وتقع تحت إغوائه وتأثيره؛ ولذلك وجب إذا عجزت عن تغيير غيرك أن تقوم بتغيير ذاتك، لأن رؤيتك للمنكر مع السكوت تؤدي إلى التأثر به ولو بنسبة قليلة. وهي مسألة نفسية مفادها أن التعود على رؤية الأشياء، تطبع النفوس عليها فتألفها مع التكرار، وفي كل رؤية مع عدم الإنكار تحدث في القلب أثرا، قد لا يشعر به المرء منذ الوهلة الأولى، لقلته وخفائه، لكن تواتر ذلك يؤدي في النهاية إلى أن يصبح المنكر في الشعور النفسي أمرا عاديا أو (طبيعيا)، فإذا حصل ذلك دخل الخطر إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة تحبيب المنكر! وهو أمر مشاهد محسوس في وقتنا هذا، إذ عليه تقوم نظرية (الإعلانات الإشهارية). فالرسول عليه الصلاة والسلام إنما كان ينبه بالتغيير بالقلب على خطورة (التطبيع النفسي) مع المنكر، فأمر بالتغيير القلبي، أي (تحريك) القلب تجاه المواجهة الداخلية، والمقاومة الذاتية للمنكر، تماما كما وهو جهاز المناعة الصحي القوي (المتحرك) في الجسم البشري لمقاومة الجراثيم، فهو إذن (حركة) لكنها غير مرئية، وهذا ما تشهد به كثير من النصوص مما ذكرنا. وقد سلف قوله (صلى الله عليه و سلم): «إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» وهذا (ظاهر) – بالاصطلاح الأصولي– فيما نحن فيه. و(النص) –باصطلاحهم دائما– في ذلك هو قوله (صلى الله عليه و سلم): «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض! والآخر أسود مُرْبَدًا كالكوز مُجَخِّيًّا ! لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه!»([2])، فهذا تفسير قاطع لكل الاحتمالات البعيدة والتأويلات الفاسدة.
    ومن هنا نخلص إلى صحة الدعوى من أن أمره (صلى الله عليه و سلم) بتغيير المنكر عام شامل لكل مكلف في نفسه، شهد منكرا، أو سمع به! وقد رأيت بنص الحديث الصحيح أن من سمع كان كمن شهد في خصوص هذا السياق! وهو بتحقيق مناطه اليوم يكون واجبا عينيا متعلقا بذمة كل مكلف في ذاته تجاه نفسه والآخرين، وجوب لا تسقطه رخصة إسقاطا تاما! وإنما تتباين مراتبه حسب مؤهلات الفرد وإمكاناته، كما بيناه بما لا شبهة بعده تشوش عليه والحمد لله.
    ​
    ​
    مقتطف من كتاب "الفجور السياسي" للشيخ "فريد الأنصاري" رحمه الله

    ​
    ​
    --------------------------------
    ([1])- أحكام القرآن لابن العربي.

    ([2])- سيق تخريجه.
    ​
    ​
     

مشاركة هذه الصفحة